بلغت أسعار الغاز في القارة الأوروبية يوم الثلاثاء أعلى مستوياتها منذ قرابة أربعة أعوام، مدفوعة بتداعيات حرب إيران وتراجع مستويات التخزين، مما ضاعف المخاوف بشأن كلفة التدفئة والطاقة خلال فصل الشتاء المقبل.
وقفزت العقود الآجلة القياسية للغاز في مركز “TTF” الهولندي إلى 87.20 يورو لكل ميغاواط/ساعة، مقارنة بنحو 32 يورو عشية اندلاع الحرب التي عطلت حركة الملاحة والشحن عبر مضيق هرمز، الشريان الذي يعبر منه نحو خُمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالمياً.
وتزامنت هذه الموجة مع تسجيل مخزونات الغاز في الاتحاد الأوروبي أدنى مستوى لها في مثل هذا الوقت من العام منذ بدء تدوين البيانات عام 2011؛ إذ كشف معهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي (IEEFA) أن مواقع التخزين الأوروبية كانت ممتلئة بنسبة 72.4% فقط حتى تاريخ 3 أكتوبر، محذراً في تقارير نقلتها “يورونيوز” من أن هذا التراجع يجعل القارة أكثر عرضة لأي موجة برد متأخرة في أواخر الشتاء.
تداعيات الحرب على أسعار الوقود والفواتير المنزلية
أظهرت بيانات “النشرة الأسبوعية للنفط في الاتحاد الأوروبي” وصول أسعار الوقود للمستهلكين إلى مستويات قياسية بين 23 فبراير (قبيل تصاعد توترات الشرق الأوسط) و5 أكتوبر 2026، حيث قفز متوسط أسعار الديزل بنسبة 35%، وارتفع البنزين بنسبة 23%.
وسلكت أسعار الغاز والكهرباء الموجهة للأسر مساراً تصاعدياً أبطأ وتيرة بفضل العقود الثابتة وبرامج الدعم الحكومي التي تؤخر أو تخفف انتقال صدمات أسواق الجملة إلى الفواتير الاستهلاكية، وفق ما أشارت إليه “يورونيوز بيزنس”، رغم أن غلاء الغاز يرفع تلقائياً كلفة توليد الكهرباء في المحطات العاملة به.
وأفاد مؤشر أسعار الطاقة للأسر (HEPI) —الذي تعده هيئة “إينرغي-كونترول” النمساوية وهيئة تنظيم الطاقة المجرية (MEKH) ومؤسسة “فاسا إي تي تي” (VaasaETT)— بارتفاع متوسط أسعار الغاز المنزلي شاملاً الضرائب في عواصم الاتحاد الأوروبي بنسبة 12%، وزيادة أسعار الكهرباء بنسبة 4.2% خلال الفترة الممتدة بين 2 فبراير و1 سبتمبر 2026.
وشهدت عواصم محددة قفزات حادة في أسعار الغاز بين فبراير وسبتمبر 2026، تصدرتها تالين بارتفاع بلغ 59.2% (من 7.8 إلى 12.4 سنت يورو لكل كيلوواط/ساعة)، تلتها زيادات تجاوزت حاجز العشرين في المئة في كل من:
بروكسل: 37.9%
أثينا: 33.1%
برن: 30.2%
لندن: 28.2%
ريغا: 23%
فيينا: 22.8%
باريس: 22.5%
برلين: 22%
وسجلت لشبونة على صعيد الكهرباء أكبر زيادة خلال الفترة ذاتها بنسبة 22%، وأمستردام (17.3%)، ومدريد (15.1%)، وروما (14.9%)، بينما حققت مدينة لوكسمبورغ أكبر تراجع في أسعار الكهرباء بانخفاض قدره 15.3%، تلتها تالين (7.9%)، وهلسنكي (7.1%).
خريطة أسعار الكهرباء المنزلية في العواصم الأوروبية
واستقر متوسط سعر الكهرباء المنزلية شاملاً الضرائب في عواصم الاتحاد الأوروبي عند 27.2 سنت يورو لكل كيلوواط/ساعة حتى مطلع سبتمبر 2026، في مقارنة تقيس كلفة وحدة الطاقة دون إجمالي الفاتورة المرتبط بحجم الاستهلاك ونوع التعريفة.
وتصدرت بروكسل قائمة العواصم الأغلى بسعر 41.3 سنتاً، تلتها ضمن المراكز الخمسة الأولى برلين (39.6 سنتاً)، ودبلن (38.7 سنتاً)، وبرن (38.6 سنتاً)، ولندن (38.3 سنتاً)، ثم جاءت روما (36.6 سنتاً)، وفيينا (34.4 سنتاً)، وبراغ (34.3 سنتاً)، بينما سجلت مدريد (28.3 سنتاً) وباريس (28.1 سنتاً) أسعاراً أقل من نظيراتها في الاقتصادات الكبرى لكنها بقيت فوق المتوسط الأوروبي.
وحلت كييف في صدارة العواصم الأرخص كهرباءً بسعر 8.4 سنت يورو لكل كيلوواط/ساعة، تلتها بودابست (10.3 سنتات)، وبودغوريتسا (11.3 سنتاً)، وبلغراد (11.6 سنتاً)، وفاليتا (12.3 سنتاً).
وتنقلب هذه المعادلة عند احتساب معايير القوة الشرائية (PPS) التي تراعي فروق تكاليف المعيشة؛ إذ يبلغ متوسط الاتحاد الأوروبي 29.6، وتقفز بوخارست لتصبح المدينة الأغلى في القارة عند مستوى 55.1 بعد صعودها 10 مراتب بالتساوي مع وارسو، بينما تغدو أوسلو الأرخص عند مستوى 11.5، وتشهد برن أكبر هبوط بتراجعها 20 مرتبة، تليها كوبنهاغن بانخفاض 13 مرتبة. وتتصدر روما (38.2) عواصم الاقتصادات الأوروبية الخمسة الكبرى كأغلى مدينة وفق القوة الشرائية، تليها برلين (35.5)، ومدريد (31.6)، ولندن (30.9)، فيما تنفرد باريس بكونها الأرخص بين الكبار عند مستوى 25.8.
تفاوت أسعار الغاز المنزلي ومعايير القوة الشرائية
تراوحت أسعار الغاز الطبيعي المنزلي شاملاً الضرائب بين 1.5 سنت يورو لكل كيلوواط/ساعة في كييف كأرخص عاصمة، و34.8 سنتاً في ستوكهولم التي شكلت حالة استثنائية في قمة الغلاء، متقدمة بفارق واسع على أمستردام صاحبة المركز الثاني (21.2 سنتاً)، في حين بلغ متوسط عواصم الاتحاد الأوروبي 11.9 سنتاً.
وبرزت باريس كأغلى عاصمة بين الاقتصادات الخمسة الكبرى في أسعار الغاز باليورو عند 15.7 سنتاً، تلتها روما (15.2 سنتاً) وبرلين (12.5 سنتاً) فوق المتوسط الأوروبي، بينما جاءت مدريد (10.1 سنت) ولندن (10.3 سنتات) كالأرخص ضمن هذه المجموعة.
ويعيد التعديل وفق معايير القوة الشرائية (PPS) ترتيب القائمة رغم بقاء ستوكهولم في الصدارة كأغلى مدينة بمستوى 28.5، تليها في المراكز الخمسة الأولى لشبونة (18.6)، وأمستردام (18.1)، وروما (15.9)، وصوفيا (15.6) التي حققت أكبر قفزة بصعودها من المرتبة 18 باليورو إلى المرتبة الخامسة حسب القوة الشرائية، إلى جانب صعود ريغا 6 مراتب، بينما تحل بودابست كأرخص عاصمة عند مستوى 3.6.
وتراجعت دبلن وبروكسل بواقع 10 مراتب لكل منهما في تصنيف القوة الشرائية للغاز، وهبطت برن 9 مراتب ولندن 7 مراتب، لتصبح لندن الأرخص بين عواصم الاقتصادات الخمسة الكبرى عند مستوى 8.3، وتظل روما الأغلى (15.9)، مع بقاء باريس (14.4) فوق متوسط الاتحاد الأوروبي، وتراجع مدريد (11.3) وبرلين (11.2) إلى ما دونه.
وأفرزت هذه الأرقام مفارقة معيشية في عدة عواصم؛ إذ تدفع الأسر في ستوكهولم وأمستردام أسعاراً منخفضة أو متوسطة للكهرباء مقابل فواتير غاز هي الأعلى أوروبياً، بينما تواجه الأسر في بوخارست وبروكسل ولندن كهرباء باهظة الكلفة مقابل غاز أرخص نسبياً.
