في الحملات الانتخابية الأمريكية اعتاد المرشحون أن يتحدثوا عن الضرائب والهجرة والإجهاض وأسعار البنزين. أما شركات الكهرباء، فكانت آخر ما يخطر على بال الناخب، وأبعد ما يكون عن المنصّات. اليوم ينقلب المشهد: في أوهايو يتعهّد مرشح جمهوري بأن سكان الجوار القريب من مراكز البيانات لن يدفعوا فاتورة كهرباء على الإطلاق، وتردّ منافسته الديمقراطية بالدعوة إلى تجميد بناء هذه المراكز. هكذا، وقبل أيام من انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر، تسلّل الذكاء الاصطناعي إلى صندوق الاقتراع، لا من باب الوظائف ولا من باب الخصوصية، بل من باب أكثر بساطة وقسوة: عدّاد البيت.
أطروحتي في هذا المقال أن ما يجري في أمريكا ليس خلافًا محليًا حول تعرفة الكهرباء، بل أول استفتاء شعبي فعلي على كلفة ثورة الذكاء الاصطناعي. ومن يربح هذا الاستفتاء، أو يخسره، سيرسم حدود السباق العالمي على الحوسبة، بما في ذلك سباق منطقتنا.
تفيد بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، كما نقلتها رويترز، بأن أسعار الكهرباء المنزلية ارتفعت بأكثر من عشرة في المئة منذ عام 2024، وأنها سبقت في ارتفاعها معظم السلع والخدمات الأخرى. وفي الولايات المتأرجحة، أوهايو وميشيغان وبنسلفانيا، كان الارتفاع أشد، بل بلغ في بعض الحالات ثلاثة أضعاف معدل التضخم. وفي أوهايو وحدها زادت فواتير المنازل بأكثر من عشرين في المئة خلال عامين. والقاسم المشترك بين هذه الولايات أنها تحتضن موجة جديدة من مراكز البيانات.
وتكتمل الصورة حين ننظر إلى جانب الشركات. فبحسب مسح لمجموعة “باور لاينز”، تسير شركات المرافق نحو معادلة الرقم القياسي المسجل العام الماضي في طلبات رفع الأسعار، وهو 31 مليار دولار، أي ضعف الرقم القياسي الذي سبقه. وتتوقع “إس آند بي غلوبال” أن تنفق الشركات المملوكة للمستثمرين قرابة 1.3 تريليون دولار خلال السنوات الخمس المقبلة على الشبكات. هذا الإنفاق يمر عبر الفاتورة، والفاتورة يدفعها الجميع.
أما الطلب، فقد تجاوز كل الأرقام السابقة. فإدارة معلومات الطاقة توقعت في توقعاتها قصيرة المدى أن يبلغ الاستهلاك الأمريكي نحو 4269 مليار كيلوواط ساعة في 2026، ثم 4399 مليارًا في 2027، بعد رقم قياسي في 2025. والأدل من ذلك أنها توقعت أن يتجاوز الاستهلاك التجاري، وفيه مراكز البيانات، الاستهلاك المنزلي لأول مرة في السجلات. المصنع الجديد في أمريكا لم يعد يُبنى من الحديد، بل من الخوادم.
جوهر الأزمة ليس أن الكهرباء غلت، بل أن الناس صاروا يعرفون، أو يظنون أنهم يعرفون، لماذا غلت. حين يرى المواطن مبنى ضخمًا بلا نوافذ يرتفع على أطراف بلدته، ثم يرى فاتورته ترتفع، فإنه لا يحتاج إلى دراسة اقتصادية ليربط بين الأمرين. وهنا يتحول السؤال من سؤال هندسي عن قدرة الشبكة إلى سؤال سياسي عن العدالة: من يدفع ثمن البنية التي ستجني منها شركات التكنولوجيا الكبرى أرباحها؟
لهذا لم يعد النقاش حكرًا على الخبراء. فهذا العام تختار ست وثلاثون ولاية حكّامها، وهؤلاء يعيّنون منظّمي المرافق حيث لا يُنتخبون، كما تُطرح للتصويت مقاعد في تسع لجان مرافق عامة منتخبة، بينها أريزونا وجورجيا، وهما من مراكز صناعة البيانات. وفي بنسلفانيا أعلن الحاكم جوش شابيرو أن شركة كهرباء سحبت طلب زيادة أسعارها تحت ضغطه. ويقول تشارلز هوا، مدير “باور لاينز”، إن الجوهر الحقيقي سيأتي بعد الانتخابات.
وليست الصناعة صامتة؛ فاتحاد شركات الكهرباء يحذّر من أن تجميد الأسعار وخفض العوائد المضمونة لن يخفضا الفواتير كثيرًا، لكنهما قد يقلصان الاستثمار في الشبكة على المدى البعيد. وقد خفّضت وكالة فيتش في يونيو نظرتها لقطاع المرافق في أمريكا الشمالية إلى “متدهورة”، مشيرة إلى الضغوط السياسية قبل الانتخابات. هذا هو المأزق في أوضح صوره: إن تُرك السوق وحده غضب الناخب، وإن ضغطت السياسة عليه بخشونة تباطأ الاستثمار الذي تحتاجه الثورة الرقمية نفسها.
أمريكا ليست أول من يصطدم بهذا الجدار. ففي أيرلندا، التي راهنت مبكرًا على استضافة مراكز البيانات، أظهرت أرقام مكتب الإحصاء المركزي أن هذه المراكز استهلكت 23 في المئة من الكهرباء المقيسة في 2025، مقابل 28 في المئة لكل المنازل مجتمعة. أي أن الخوادم باتت تستهلك تقريبًا ما تستهلكه الأمة كلها في بيوتها. هذا الرقم وحده يفسر لماذا تحولت مراكز البيانات هناك من رمز للحداثة إلى موضوع خلاف عام.
الدرس واضح: ثورة الذكاء الاصطناعي ليست سحابة معلّقة في الفضاء كما توحي تسميتها، بل هي في النهاية أسلاك ومحطات وتوربينات وأرض وماء. ومن لا يخطط لهذه الأشياء الثقيلة سيجد أن الخوارزميات الخفيفة تصطدم بغضب ثقيل.
هنا تحديدًا تتضح الميزة الاستراتيجية لمنطقتنا. فالإمارات تبني ضمن الحرم الإماراتي الأمريكي للذكاء الاصطناعي في أبوظبي، بطاقة إجمالية تبلغ خمسة غيغاواط، تجمّع “ستارغيت الإمارات” بقدرة غيغاواط واحد، يُنتظر أن تدخل أولى مراحله بقدرة 200 ميغاواط الخدمة في 2026، بشراكة بين جي 42 وأوبن إيه آي وأوراكل وإنفيديا وسيسكو وسوفت بنك. الفارق الجوهري أن الطاقة هنا جزء من التخطيط منذ اليوم الأول، لا عبء يُكتشف لاحقًا على فواتير المواطنين.
لكن الميزة لا تعني الحصانة. فالدرس الأمريكي يقول إن الشرعية الاجتماعية للمشروعات العملاقة لا تقل أهمية عن جدواها الاقتصادية. وكلما بنت المنطقة قدرات الحوسبة على قاعدة طاقة متنوعة، نووية وشمسية وغازية، وفصلت بوضوح بين كلفة المستهلك الصناعي وكلفة المنزل، تحولت ميزتها من وفرة في الطاقة إلى ثقة في النموذج. وفي عالم تتنافس فيه الدول على استضافة عقول الآلات، قد تكون الثقة هي العملة الأندر.
لن تحسم انتخابات الثالث من نوفمبر مستقبل الذكاء الاصطناعي، لكنها ستكشف شيئًا أعمق: أن التكنولوجيا التي وعدت بأن تجعل كل شيء أرخص بدأت تجعل أبسط الأشياء أغلى. وما لم يجد صانعو القرار صيغة توزّع الكلفة بعدل، فإن أخطر خصم لثورة الحوسبة لن يكون منافسًا في بكين، بل ناخبًا في كليفلاند يحمل فاتورته إلى مركز الاقتراع.
في القرن العشرين قيل إن من يملك النفط يملك المستقبل. وفي القرن الحادي والعشرين يبدو أن المستقبل لمن يملك الكهرباء، ويُقنع الناس بأنها ليست على حسابهم.
