ألغى البيت الأبيض يوم الخميس الماضي أمراً تنفيذياً كان يهدف إلى فرض معايير موحدة لاختبارات السلامة المسبقة لنماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة قبل طرحها تجارياً.
وتأتي هذه الخطوة وسط تسارع غير مسبوق في انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي، لتُعد انتصاراً واضحاً للمعسكر الداعي إلى إطلاق التكنولوجيا بأقل قدر ممكن من القيود، مقابل تراجع مقاربة “الثقة مع التحقق” التي كانت سائدة في عهد الرئيس السابق جو بايدن.
كارين كورنبلوم، المديرة السابقة للمكتب الوطني للذكاء الاصطناعي في إدارة بايدن، رأت في تقرير رأي بصحيفة “فاينانشال تايمز” أن القرار يعكس تحولاً جذرياً يفضل السرعة والابتكار على حساب الضبط والرقابة، محذرة من أن الذكاء الاصطناعي يعمل حالياً في بيئة “شبه خالية من المساءلة”.
فراغ في المساءلة القانونية
وتتجلى خطورة هذا الفراغ التنظيمي مع تمدد الذكاء الاصطناعي ليحل محل أنظمة تقليدية في قطاعات حيوية تتراوح بين الرعاية الصحية والخدمات العامة.
وتبرز الإشكالية الجوهرية في صعوبة إخضاع الخوارزميات المغلقة لقوانين صُممت أصلاً لتنظيم سلوك البشر، مما يطرح سؤالاً مصيرياً: من يضع قواعد هذه التكنولوجيا؟ هل هي المؤسسات الديمقراطية أم شركات التكنولوجيا الأسرع ابتكاراً؟
وتترجم هذه المخاطر على أرض الواقع عبر تطبيقات تقدم نصائح طبية دون تحمل المسؤولية القانونية الملقاة على عاتق الأطباء، أو استخدام الحكومات لأنظمة ذكاء اصطناعي لاتخاذ قرارات تمس حياة المواطنين، مثل منح الخدمات أو حرمان منها، دون وجود آليات واضحة للمراجعة أو الطعن.
تحديات قضائية غير مسبوقة
تواجه المحاكم الأميركية عقبات حقيقية في التعامل مع هذه الملفات الجديدة، حيث تنظر حالياً في دعاوى ضد عمالقة التكنولوجيا مثل “OpenAI” بتهمة انتهاك قوانين المنافسة والمسؤولية عن المنتج.
ومع ذلك، يكمن التعقيد القانوني في تعريف طبيعة هذه الأنظمة نفسها: هل يُعتبر روبوت الدردشة “منتجاً”؟ وهل يمكن تحميله مسؤولية سلوك قد يُجرَّم لو قام به إنسان؟ تعكس هذه التساؤلات فجوة متزايدة بين سرعة تطور التكنولوجيا وقدرة الأنظمة القانونية على مواكبتها.
نمط متكرر من التحايل
تشير كورنبلوم إلى أن شركات التكنولوجيا الكبرى ليست جديدة على استراتيجيات تجنب الخضوع للأطر التنظيمية، مستشهدة بنماذج سابقة:
استفادة منصات التواصل الاجتماعي من ثغرات قانونية لتفادي معايير المؤسسات الإعلامية التقليدية.
تقديم شركة “أوبر” نفسها كمنصة تكنولوجية وليست شركة نقل للهروب من تشريعات النقل.
رفض شركة “إير بي إن بي” الخضوع لقوانين الفنادق والتخطيط العمراني.
غير أن خطورة الذكاء الاصطناعي تكمن في اتساع نطاق تأثيره الهائل، مما قد يؤدي إلى خلق “ثغرة ضخمة” في منظومة الحوكمة الديمقراطية إذا لم يتم ضبطه فوراً.
مخاطر السباق نحو القاع
في غياب قواعد موحدة، تتحول المنافسة بين الشركات إلى دافع لتقليل معايير السلامة بدلاً من تعزيزها. وفي هذا الإطار، خففت شركة “أنثروبيك” في فبراير الماضي من سياستها المتعلقة بإجراءات السلامة قبل الإطلاق، محذرة من أن الجهات ذات المعايير الأضعف قد تفرض إيقاع السوق.
ويعزز هذا الاتجاه المخاوف من حدوث “سباق نحو القاع”، حيث تصبح الأولوية للسبق التكنولوجي على حساب سلامة المستخدمين.
تراجع الزخم التنظيمي العالمي
بعد إطلاق “ChatGPT” أواخر عام 2022، بدا العالم متجهاً نحو وضع قواعد صارمة للذكاء الاصطناعي، تجلت في:
توقيع الرئيس الأميركي السابق جو بايدن أمراً تنفيذياً لتنظيم القطاع في أكتوبر 2023.
اتفاق 28 دولة خلال قمة “بلتشلي بارك” على التعاون بشأن المخاطر.
إقرار الاتحاد الأوروبي قانوناً شاملاً للذكاء الاصطناعي في مايو 2024.
إلا أن هذا الزخم بدأ يتراجع داخل الولايات المتحدة مع عودة الرئيس دونالد ترامب إلى السلطة بدعم من قطاع التكنولوجيا، وتركيز إدارته على تعزيز التفوق الأميركي في مواجهة الصين، متجاهلاً الدعوات التاريخية لإنشاء أطر تنظيمية واضحة كما حدث في الصناعات النووية والطيران والأدوية.
مقاومة شرسة للرقابة
لا تقتصر الضغوط على المستوى الفيدرالي، بل تمتد لتشمل مقاومة شديدة على مستوى الولايات من قبل شركات التكنولوجيا ورؤوس الأموال المغامرة. فبعد انضمام وزارة العدل الأميركية إلى دعوى رفعتها شركة “xAI” التابعة لإيلون ماسك، خففت ولاية كولورادو أول قانون من نوعه كان سيفرض مسؤولية مسبقة على أنظمة الذكاء الاصطناعي المستخدمة في قرارات مؤثرة كالتوظيف والسكن.
كما أنفقت شركة رأس المال المغامر “Andreessen Horowitz” وحلفاؤها أكثر من 100 مليون دولار لمعارضة قوانين الذكاء الاصطناعي على مستوى الولايات، بما في ذلك إنفاق أكثر من 3 ملايين دولار لهزيمة مرشح للكونغرس شارك في صياغة قانون السلامة الخاص بولاية نيويورك.
دعوات دولية للتدخل
تعكس استطلاعات الرأي تزايد قلق الرأي العام من الذكاء الاصطناعي غير المنظم، وهو ما دفع شخصيات دولية بارزة للتحذير من مخاطره.
وشدد البابا ليو الرابع عشر هذا الأسبوع على ضرورة اضطلاع الحكومات بدور محوري في وضع أطر تنظيمية تحمي العدالة وتحد من اختلالات القوة التكنولوجية.
ويقف العالم اليوم عند مفترق طرق حاسم: إما تطوير منظومة حوكمة تواكب تسارع الذكاء الاصطناعي، أو ترك المجال مفتوحاً أمام الشركات لرسم قواعد اللعبة.
وتؤكد كورنبلوم أن المسؤولية لم تعد تقع على الحكومات وحدها، بل تمتد إلى المواطنين وممثليهم المنتخبين لضمان بقاء الذكاء الاصطناعي أداة لخدمة المجتمع وليس وسيلة للهروب من المساءلة.
وفي ظل الفجوة المتسعة بين الابتكار والتنظيم، يبقى التحدي الأكبر هو إيجاد توازن دقيق يشجع الابتكار دون التفريط في مبادئ العدالة والشفافية وحماية المستخدمين، في وقت تعيد فيه هذه التقنيات رسم حدود السلطة بين الدولة والسوق.
