بدأت الرياض تحركاً دبلوماسياً هادئاً لرسم ملامح شرق أوسط جديد بمجرد أن تضع الحرب الحالية أوزارها، مستلهمة تجربة أوروبية نجحت قبل نصف قرن في ترويض حدة التنافس بين معسكرين متعادييين.
ونقلت “فايننشال تايمز” عن دبلوماسيين مطلعين أن السعودية تدرس اقتراح “ميثاق عدم اعتداء” إقليمي يضم إيران إلى جانب دول المنطقة، على غرار اتفاقية هلسنكي التي جمعت عام 1975 بين واشنطن وموسكو وحلفائهما الأوروبيين.
وتنظر الرياض إلى النموذج الفنلندي باعتباره الإطار الوحيد القادر على استيعاب معضلة أساسية: إيران ستخرج من الحرب أضعف عسكرياً، لكنها ستبقى على عتبة جيرانها الخليجيين، وقد تكون أكثر تشدداً وعدائية مما كانت عليه قبل فبراير الماضي.
وبحسب الصحيفة فإن هذا المسعى لا ينطلق من فراغ، بل من حاجة ملحة ولدتها أشهر المواجهة الطويلة. فالهجمات الإيرانية التي طالت منشآت الطاقة والبنية التحتية المدنية في دول الخليج، وأغلقت مضيق هرمز فعلياً، برهنت على أن التهديد قائم حتى لو تراجع الوجود العسكري الأميركي.
وفي مقابل ذلك، وجدت الرياض دعماً أوروبياً واسعاً لمبادرتها، حيث حثت عواصم غربية ومؤسسات الاتحاد الأوروبي دولاً خليجية أخرى على تبني الطرح، معتبرة أن ميثاقاً من هذا النوع يوفر لطهران ما تريده منذ ثورتها: ضمانات بعدم التعرض للهجوم مقابل التخلي عن سياسة زعزعة الاستقرار.
غير أن الطريق إلى الميثاق تصطدم بعقبة كبرى لا تزال بلا حل. ففي المناخ الحالي، يستحيل جمع إيران وإسرائيل على طاولة واحدة، كما يقول دبلوماسي عربي للصحيفة.
وبدون إسرائيل، قد يتحول الميثاق إلى أداة عكسية، لأن تل أبيب تُعد بعد طهران “أكبر مصدر للصراع” في المنطقة، في نظر عواصم عربية وإسلامية كثيرة باتت ترى في حكومة بنيامين نتنياهو قوة عدوانية مزعزعة للاستقرار.
ومع ذلك، تدفع الرياض قدماً، مدركة أن إيران باقية وأنه لا بد من إطار يمنع انفجاراً مقبلاً.
وبينما تركز مفاوضات واشنطن وطهران حصرياً على البرنامج النووي، متجاهلة ترسانة الصواريخ والمسيرات ودعم الوكلاء الإقليميين، تسير عواصم المنطقة في مسار مختلف.
فالرياض وإسلام آباد، المرتبطتان باتفاق دفاعي مشترك منذ سبتمبر الماضي، تقودان تحالفاً ناشئاً يضم أيضاً تركيا ومصر، تتجه بوصلته نحو تعميق التعاون الدفاعي والخارجي والاقتصادي بعد الحرب.
وكشف وزير الدفاع الباكستاني خواجة آشف، الاثنين، عن مقترح لتوسيع الاتفاق السعودي الباكستاني ليشمل قطر وتركيا، بهدف بناء “تحالف اقتصادي ودفاعي يقلل الاعتماد على قوى خارج المنطقة”.
فكرة هذا التوسع وُلدت قبل اندلاع الحرب الحالية، لكنها اكتسبت زخماً جديداً مع كل صاروخ إيراني يسقط على منشأة خليجية، ومع كل هجوم إسرائيلي يعيد تأكيد أن المنطقة لا تستطيع انتظار الخارج ليقرر مصيرها.
