وضع رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، المؤسسة السياسية والأمنية في بلاده أمام استحقاق ما بعد خروج القوات الأجنبية، بإعلانه اليوم الخميس، الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2026، انطلاق مسار حاسم لحصر السلاح المنفلت بيد الدولة.
ويأتي هذا الإعلان تزامناً مع اكتمال الانسحاب العسكري الشامل لقوات التحالف الدولي (براً وجواً وبحراً) تنفيذاً لاتفاق عام 2024، ليفتح الباب مباشرة أمام المعضلة الأمنية الأكثر تعقيداً: من يملك حق استخدام القوة العسكرية وقرار الحرب والسلم داخل العراق بعد رحيل قوات التحالف؟
خارطة طريق مشروطة وتكريس للمركزية العسكرية
وفي بيان رسمي تلقته وكالة الأنباء العراقية (واع) اليوم الخميس، غداة حضوره احتفالية “يوم السيادة” التي أقيمت الأربعاء بمناسبة انتهاء مهام التحالف، حدد الزيدي مهلة زمنية تنتهي في 30 حزيران/يونيو 2027 لإنهاء ملف السلاح الخارج عن سيطرة القانون.
وترتكز الخطة الحكومية على مرحلة تهدئة أولية مدتها 90 يوماً، تعقبها آليات لتسليم العتاد والاندماج المؤسسي، إلى جانب العمل الدستوري الصارم على نزع سلاح المجموعات غير العراقية المتواجدة على الأراضي الوطنية، ومنع استخدام سماء العراق أو أراضيه مقراً أو ممراً لأي نشاط يستهدف دول الجوار أو العكس.
ولتحصين هذا المسار دستورياً وميدانياً، كشف رئيس الوزراء في بيانه عن توجه حكومته المباشر لشراء منظومة دفاع جوي كاملة تضمن السيادة الجوية للدولة، مع المضي قدماً في تشريع قانون “الحشد الشعبي” لترسيخ وجوده كتشكيل خاضع حصراً لإمرة القائد العام للقوات المسلحة، مستحضراً الدور التاريخي لفتوى “الجهاد الكفائي” الصادرة عن المرجعية الدينية العليا في دحر تنظيم “داعش” وتأسيس نواة المواجهة الوطنية.
معضلة الفصائل: بين مرونة الاندماج ورفض تسليم “السلاح العقائدي“
واصطدم مسار حصر السلاح بمواقف متباينة داخل قوى “الإطار التنسيقي”؛ ففي حين دفعت الضغوط الدولية باتجاه تخلي المجموعات المسلحة عن ترسانتها، أبدت فصائل مثل “عصائب أهل الحق” و”كتائب الإمام علي” جاهزيتها للانخراط في الأطر الرسمية، ووافقت منظمة “بدر” على تنظيم السلاح مشترطةً بقاء القرار عراقياً ذاتياً بمعزل عن أي تأثير خارجي.
وفي المقابل، أعلنت “كتائب حزب الله” و”حركة النجباء” رفضاً مطلقاً لأي خطوة تنزع عتادها، متمسكةً بما وصفته بـ”السلاح العقائدي” المرتبط بمواجهة التهديدات الخارجية.
ورغم هذه الممانعة، نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن المتحدث باسم الجيش العراقي اللواء سعد معن تأكيده أن أطرافاً مسلحة بدأت فعلياً تسليم أسلحتها، مع نية مجموعات أخرى السير في الاتجاه نفسه، ما يجعل الفترة الانتقالية ساحة اختبار حقيقية لمدى قدرة الجهاز التنفيذي على فرض نفوذه دون الاصطدام بحلفائه السياسيين.
هواجس الفراغ الأمني وحصيلة عقدين من الصراع
يترافق صراع ترسانة الفصائل مع تحذيرات أمنية جدية؛ إذ نقلت وكالة “رويترز” عن مسؤولين عراقيين مخاوفهم من بقاء شبكات نشطة لخلايا “داعش” النائمة بعد طي صفحة الدعم الجوي والاستخباري للتحالف.
وأكد المستشار الأمني جاسم البهادلي أن تجربة العقدين الماضيين تبرهن على خطورة الفراغات الناتجة عن تبدل التموضع العسكري، وهو ما دفع اللواء المتقاعد محمد الجبوري إلى التساؤل عن وجود خطة عملياتية بديلة تسد الفجوة الميدانية.
ويغلق هذا الانسحاب فصلاً امتد منذ غزو عام 2003، وما شهده من خروج للقوات القتالية عام 2011 ثم عودتها في 2014، مخلفاً كلفة بشرية سجلها مشروع “تكاليف الحرب” بجامعة براون بوفاة ما بين 281 ألفاً و315 ألف شخص بشكل مباشر حتى عام 2023 (بينهم قرابة 210 آلاف مدني ونحو 4,600 جندي أمريكي)، عدا عن التبعات غير المباشرة لتدهور الخدمات والنزوح وتدمير البنى التحتية، لتجد بغداد نفسها اليوم في مواجهة حتمية لترتيب بيتها الداخلي بقواها الذاتية وحدها.
