بعد أكثر من عقد على سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر، يواجه التنظيم مرحلة مختلفة تماماً عن تلك التي سبقت عام 2013، إذ انتقل من محاولة تثبيت نفوذه السياسي إلى معركة داخلية هدفها الحفاظ على وجوده وسط ضغوط أمنية وتغيرات إقليمية وانقسامات تنظيمية متزايدة.
ويرى باحثون في شؤون الجماعات المتطرفة أن التنظيم دخل مرحلة إعادة تموضع، مع تراجع قدرته على التحرك العلني داخل مصر، وانخفاض مستوى الدعم السياسي والإعلامي الذي كان يتمتع به في بعض الدول، الأمر الذي دفعه إلى الاعتماد بشكل أكبر على النشاط الخارجي والمنصات الرقمية والشبكات غير المباشرة.
من صعود سياسي إلى أزمة وجود
شكل عام 2013 نقطة تحول رئيسية في مسار التنظيم، بعدما عزل الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، وحُظر نشاط الجماعة في مصر، لتبدأ بعدها مرحلة انتقال قيادات بارزة إلى الخارج، ترافق معها تراجع في الحضور السياسي وظهور خلافات عميقة حول مستقبل التنظيم وآليات إدارة أزمته.
ولم تتوقف تداعيات هذه التحولات عند الساحة المصرية، بل امتدت إلى عدد من الدول العربية، مع تراجع حضور تيارات الإسلام السياسي وتبدل حسابات القوى الإقليمية التي كانت تتعامل مع التنظيم بدرجات مختلفة من الدعم أو الاحتضان.
وفي السنوات الأخيرة، واجهت الجماعة مزيداً من الضغوط، كان من أبرزها التطورات المرتبطة بحركة النهضة في تونس، حيث صدرت أحكام قضائية بحق عدد من قياداتها، إلى جانب استمرار الملاحقات في ملفات متعددة.
استراتيجية “البقاء” بدل المواجهة
يقول الباحث في شؤون التنظيمات المتطرفة عماد عبد الحافظ إن الإخوان انتقلوا من مرحلة المواجهة المباشرة إلى محاولة الحفاظ على الهيكل التنظيمي عبر وسائل أقل ظهوراً، من بينها التحرك من خلال كيانات تحمل أسماء جديدة، إضافة إلى توظيف المنصات الإعلامية ومراكز الأبحاث والحسابات الرقمية للحفاظ على التأثير الفكري.
ويشير عبد الحافظ إلى أن هذه الأدوات تمنح التنظيم قدرة على الاستمرار في المجال الإعلامي والفكري، لكنها لم تمكنه من تحقيق تأثير سياسي مباشر أو استعادة نفوذه السابق.
ويضيف أن الجماعة تعيش حالياً حالة من التشتت نتيجة غياب رؤية موحدة، مع تراجع قدرتها على تقديم مشروع سياسي واضح بعد سنوات من الأزمات والانقسامات.
ثلاث جبهات وصراع داخلي
وتعد الانقسامات الداخلية من أبرز التحديات التي تواجه التنظيم، إذ ظهرت خلال السنوات الماضية عدة تيارات تتباين في رؤيتها لطريقة إدارة الأزمة.
ويشرح عبد الحافظ أن جبهة لندن تركز على الحفاظ على البنية التنظيمية الأساسية ومحاولة إعادة جمع الأعضاء، بينما تتبنى جبهة إسطنبول نهجاً أكثر تحفظاً، يقوم على انتظار تغير الظروف السياسية أملاً في استعادة مساحة للحركة.
هذه الخلافات انعكست على قدرة التنظيم على اتخاذ قرارات موحدة، وأضعفت تماسكه القيادي مقارنة بالمراحل السابقة.
العمل في الظل والاعتماد على الإعلام
من جهته، يرى الباحث في الأمن الإقليمي والإرهاب أحمد سلطان أن التنظيم يعتمد حالياً على ما يمكن وصفه باستراتيجية “منع التعطيل”، عبر تقليص النشاط المباشر وتجنب الظهور الذي قد يعرض شبكاته للملاحقة، مع التركيز على الحفاظ على وجوده الداخلي والخارجي.
ويشير سلطان إلى أن الجماعة تحاول إعادة بناء حضورها من خلال النشاط الإعلامي والدعائي، عبر شبكة من المنصات والكيانات التي تستهدف تحسين صورتها والتأثير في الرأي العام.
وبحسب الباحث، فإن هذه الاستراتيجية تعكس محاولة للخروج من حالة الانكماش التنظيمي، عبر الانتظار وإعادة ترتيب الصفوف بدلاً من المواجهة المفتوحة.
وبينما يسعى التنظيم إلى الحفاظ على ما تبقى من شبكاته، تشير التحولات خلال السنوات الماضية إلى أن الإخوان يواجهون واحدة من أصعب مراحلهم منذ تأسيس الجماعة، في ظل تراجع النفوذ، والانقسامات الداخلية، وتغير البيئة السياسية في المنطقة.
