تتجه بلجيكا نحو إقرار تشريع يوصف بأنه الأشد إثارة للجدل في البلاد، يمنح قوات الشرطة صلاحية اقتحام المنازل الخاصة دون موافقة ساكنيها، بغية احتجاز الأجانب المقيمين بصورة غير قانونية والصادرة بحقهم أوامر ترحيل.
مشروع القانون، الذي اقترحته وزيرة اللجوء والهجرة أنلين فان بوسويت، يشترط الحصول على إذن مسبق من قاضي التحقيق، ويحدد الإطار الزمني لتنفيذ المداهمات بين الساعة الخامسة صباحاً والتاسعة مساءً.
وكان من المقرر أن يحسم البرلمان التصويت على التعديلات النهائية للمشروع الأربعاء، إلا أن انقطاعاً طارئاً في التيار الكهربائي أرجأ الجلسة إلى الأسبوع المقبل، في وقت تتزامن فيه هذه التطورات مع عمليات تفتيش واسعة تنفذها الشرطة الفيدرالية بالتعاون مع مكتب الهجرة وجهاز الاستخبارات والتحقيق الاجتماعي.
مخاض تشريعي وصدام دستوري
تواجه الخطوة التشريعية الجديدة تعقيدات قانونية عميقة، أبرزها التعارض المباشر مع المادة 15 من الدستور البلجيكي التي تكفل صراحة حرمة المساكن. تبرر الوزيرة فان بوسويت، المنتمية للتحالف الفلمنكي الجديد، هذه الإجراءات بضرورة منح السلطات أداة فعالة للتعامل مع المهاجرين غير النظاميين الذين يرفضون التعاون ويشكلون خطراً على الأمن القومي والنظام العام.
وترى الوزيرة أن التشريع سيزيل عقبة قانونية طالما استغلها المطلوبون للترحيل عبر التحصن خلف أبواب موصدة لتجنب الاعتقال من قبل الشرطة ومكتب الهجرة.
في المقابل، يدافع أنصار المشروع، وتحديداً حزب الحركة الإصلاحية الليبرالي الناطق بالفرنسية، عن النص بالإشارة إلى أن اشتراط موافقة قاضي التحقيق يمثل درعاً واقياً يمنع المداهمات التعسفية. إلا أن المركز الفيدرالي للهجرة “ميريا” شكك في فعالية هذا الضمان، متسائلاً عن مدى قدرة القضاة على ممارسة سلطة تقديرية حقيقية لوقف عمليات التفتيش غير الضرورية.
تحذيرات حقوقية ومخاوف اجتماعية
تتسع دائرة الرفض لمشروع القانون لتشمل قضاة التحقيق والمحامين والمنظمات المتخصصة. انتقد النائب الفيدرالي عن الحزب الاشتراكي الناطق بالفرنسية، خليل أوستي، المبدأ الأساسي للتشريع، معتبراً إياه صداماً مع القيم الوطنية وتوظيفاً للإجراءات القمعية لصرف الانتباه عن الجذور الاجتماعية الحقيقية لمشاكل البلاد.
على الصعيد المؤسساتي، وثق مركز “ميريا” في مذكرة رسمية مخاوفه من التوسع في استخدام القانون، وغياب الحماية للفئات الضعيفة، وصعوبة الطعن في القرارات، فضلاً عن تأثيره المدمر على الحياة العائلية والخاصة.
وتتقاطع هذه المخاوف مع انتقادات منظمة “سيريه”، التي تمثل 32 هيئة معنية بالهجرة، حيث حذرت من التداعيات القانونية على من يستضيفون أو يتشاركون السكن مع أشخاص لا يملكون أوراق إقامة، كاشفة عن إقصائها من الجلسات البرلمانية بتأثير من أحزاب الأغلبية.
ورغم تضمين التشريع ضوابط تراعي حقوق القصر، كمنح القاضي صلاحية تجنب تنفيذ المداهمات خلال أوقات الدوام المدرسي، إلا أن المنظمات الحقوقية تعتبرها غير كافية لدرء الصدمة النفسية عن الأسر.
وتشير التوقعات، استناداً إلى بيانات مرصد ستراسبورغ التي وثقت ترحيل 2650 شخصاً قسراً عام 2025، إلى أن أعداد المرحلين ستشهد قفزة كبيرة في حال إقرار القانون.
أصداء السياسات الأمريكية في البرلمان
أخذ السجال البرلماني والمجتمعي أبعاداً تتجاوز الحدود المحلية، مع توجيه المعارضين اتهامات للحكومة بمحاكاة الأساليب العنيفة لوكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE).
أطلقت منظمات مثل “حركة 11.11.11” ومنظمة دعم اللاجئين في فلاندرز حملات بصرية تحت شعار “لا نريد ICE في أوروبا”.
وداخل قبة البرلمان، هاجم النائب عن حزب العمال البلجيكي نبيل بوكيلي ما اعتبره نفاقاً سياسياً، مشيراً إلى التناقض بين إدانة السياسيين للممارسات غير الإنسانية للوكالة الأمريكية سابقاً، ومساعيهم الحالية لتشريع انتهاك حرمة المنازل بغرض اعتقال وترحيل فاقدي الوثائق.
قوبلت هذه المقاربات برفض قاطع من الوزيرة فان بوسويت، التي اعتبرت تشبيه عمل الأجهزة الأمنية ومكتب الهجرة البلجيكي بالوكالة الأمريكية تصرفاً غير لائق ويمثل إهانة للجهود التي تبذلها هذه المؤسسات.
