كشفت مصادر عسكرية لبنانية عن قيام حزب الله بنقل كميات من الصواريخ الدقيقة، والمنظومات الدفاعية، والأسلحة، والذخائر إلى قرى تقع غرب “الخط الأصفر” في منطقة جنوب نهر الليطاني.
وتتزامن هذه التحركات مع تراجع ملحوظ في قدرة الحزب على الاحتفاظ بعدد من مواقعه الاستراتيجية، لا سيما في محيط تلة علي الطاهر.
وأفادت المصادر لـ”إرم نيوز” بأن الحزب قد كثف من عمليات نقل المعدات العسكرية وتوجيه قياداته نحو مناطق إقليم التفاح، وجبل الريحان، وجبل صافي.
وتندرج هذه الخطوات ضمن عملية إعادة تموضع تهدف إلى إنشاء نقاط خلفية محصنة، وتجنب البقاء داخل النطاقات الجغرافية التي تتعرض لأحزمة نارية إسرائيلية مكثفة.
إعادة توزيع الأسلحة والذخائر
وبحسب المعلومات العسكرية، تم توزيع جزء من الأسلحة التي أُخرجت من الأنفاق والمواقع التي خسرها الحزب، خاصة في محيط علي الطاهر، على نقاط جديدة داخل عدة بلدات وقرى.
وشملت هذه النقاط مواقع قريبة من مبانٍ مدمرة، مع تكليف عناصر بتأمين الحراسة للمخزونات ريثما يتم استكمال خطة إعادة الانتشار.
ويأتي هذا التطور في خضم تغير ملموس في خريطة انتشار حزب الله جنوب لبنان، وذلك إثر سيطرة القوات الإسرائيلية على مواقع وأنفاق استراتيجية كانت تشكل شرايين حيوية لتخزين الأسلحة وتسهيل تحرك المقاتلين بعيداً عن أعين الرصد الجوي.
“عقدة استراتيجية” وتعقيد بيئة العمليات
أكد مصدر عسكري لبناني رفيع لـ”إرم نيوز” أن حزب الله يواجه حالياً “عقدة استراتيجية” بعد انكشاف عدد من الممرات الجبلية والطرق التي كان يعتمد عليها في نقل عناصره بين المواقع.
وتزامن ذلك مع تدمير أنفاق حيوية كانت تتيح للحزب قدرة عالية على الانتقال والتخفي والوصول إلى الخطوط الأمامية.
وأضاف المصدر أن البيئة العملياتية للحزب باتت أكثر تعقيداً، مما أثر على قدرته في شن هجمات متقدمة ضد المواقع الإسرائيلية في جنوب الليطاني، وذلك نتيجة فقدانه لمرتفعات وممرات كانت توفر غطاءً آمناً لتحركاته.
وفي سياق متصل، أشارت الوكالة الوطنية للإعلام إلى شن الطيران الحربي الإسرائيلي غارات متزامنة مع قصف مدفعي استهدفت أطراف بلدة كفرتبنيت وحرج علي الطاهر، بالإضافة إلى مناطق زوطر الشرقية، وخلة ميفدون، وبيت ليف، وحداثا، وأطراف برعشيت.
الرصد الاستخباراتي والاختراقات
من جانبه، رأى الخبير العسكري اللبناني، العميد المتقاعد جورج نادر، أن السيطرة الإسرائيلية على مواقع وأنفاق في محيط تلة علي الطاهر هي ما دفع الحزب إلى نقل ذخائره وإعادة توزيع مقاتليه نحو قرى أخرى.
وأشار نادر إلى أن بعض المناطق التي انتقل إليها الحزب تعرضت بدورها لغارات مكثفة، دون أن تشهد حتى الآن أي توغل بري إسرائيلي.
وأوضح الخبير العسكري أن الكشف عن مواقع حزب الله وأنفاقه يعتمد بشكل رئيسي على التفوق الاستخباراتي والتكنولوجي الإسرائيلي، والذي يشمل المراقبة الجوية، الطائرات المسيرة، الأقمار الصناعية، والمصادر البشرية.
واعتبر نادر أن الاختراق الاستخباراتي يمثل التحدي الأبرز للحزب، مستشهداً بعملية أجهزة “البيجر” كدليل على تعقيد العمل الاستخباراتي.
ولفت إلى أن التحركات الميدانية فوق الأرض أصبحت مكشوفة بشكل كبير أمام الرصد الإسرائيلي، في حين تمتلك إسرائيل معلومات دقيقة عن العديد من المنشآت تحت الأرض، مما يفسر دقة الاستهدافات الأخيرة.
ونوه نادر بأن الجيش اللبناني لم يقم، خلال السنوات الماضية، بجمع معلومات تفصيلية عن شبكة أنفاق الحزب ومخازنه.
استراتيجية التراجع ونقاط التمركز البديلة
في قراءة للمشهد، أوضح الباحث السياسي اللبناني، قاسم يوسف، أن القوات الإسرائيلية تتبع أسلوباً تدريجياً في السيطرة على المناطق الجنوبية وتمشيطها عبر تقنيات متطورة وروبوتات لاكتشاف الأنفاق وتفجيرها.
وأشار إلى أن بعض الأنفاق المكتشفة تمتد لمسافات طويلة، مؤكداً أن هذه الشبكة كانت ركيزة أساسية في بنية الحزب الدفاعية.
ويرى يوسف أن استراتيجية حزب الله لا تعتمد على التمسك بكل موقع جغرافي، بل تعتمد على الانسحاب التكتيكي نحو مواقع خلفية عند ارتفاع تكلفة الدفاع، وهو ما يفسر تحضيره لنقاط بديلة ونقل عتاده تحسباً لخسارة مواقعه المتقدمة.
وأوضح الباحث أن الحزب اعتمد طويلاً على مواقع مرتفعة مثل تلة علي الطاهر وقلعة الشقيف، نظراً لموقعها الكاشف باتجاه الجليل وشمال إسرائيل. ومع تزايد احتمالات فقدان هذه المواقع، قام الحزب بإعادة توزيع أسلحته بناءً على التقييم العسكري لمدى قدرته على الصمود.
واختتم يوسف بالتأكيد على أن خريطة انتشار حزب الله تغيرت بشكل جذري عما كانت عليه قبل المواجهات الأخيرة، حيث انتقل جزء كبير من ترسانته الاستراتيجية، بما في ذلك الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيرة، إلى مناطق أكثر عمقاً، لا سيما في البقاع، بعدما كان حضوره العسكري يتركز بشكل أساسي قرب الحافة الأمامية للخط الأزرق.
