في تخوم ولايتي براندنبورغ وساكسونيا شرقي ألمانيا، تتحول الحفر العملاقة التي خلفتها عقود من استخراج الفحم إلى بحيرات صناعية ضخمة ضمن مشروع هو الأضخم من نوعه في أوروبا.
وتُنجز هذه التحولات وفق معايير بيئية صارمة، ومن المتوقع اكتمال المشروع في الصيف المقبل، في إطار جهود متواصلة لإصلاح الأراضي التي تضررت طويلاً جراء التعدين.
من ملياري طن فحم إلى 23 بحيرة
خلال حقبة ألمانيا الشرقية، اقتلع عمال المناجم أكثر من ملياري طن من الفحم من أعماق تجاوزت ستين متراً، تاركين وراءهم فوهات هائلة شوهت سطح الأرض.
وجاء طوفان بحيرة “زينفتنبرج” عام 1967 ليكون الشرارة الأولى للتغيير، حيث صارت اليوم أعظم معلم مائي اصطناعي في أوروبا. وتضم منطقة “بحيرات لوساتيا” السياحية حالياً ثلاثاً وعشرين بحيرة من صنع الإنسان، تبلغ مساحتها المائية الإجمالية أربعة عشر ألف هكتار. ومن المخطط ربط عشر منها بقنوات مخصصة للقوارب الترفيهية.
تكلفة بمليارات وجهد يمتد لجيلين
تتولى شركة “LMBV” الاتحادية مهمة إصلاح المناجم السطحية المهجورة وغمرها بالمياه منذ تسعينيات القرن الماضي. وأوضح الدكتور أوفه شتاينهوبر من الشركة أنهم يعملون على تطوير نحو خمسين بحيرة كبيرة، منها أربع وعشرون في لوساتيا وحدها.
وبلغت نفقات إعادة الهيكلة حتى اليوم سبعة مليارات يورو، بينما تقدر التكلفة الإجمالية بنحو 13.8 مليار يورو، تمول بنسبة 75 بالمئة من الحكومة الاتحادية و25 بالمئة من الولايات المعنية.
ويضيف شتاينهوبر: “هذه مهمة تستغرق جيلين”، مرجحاً الحاجة إلى 4.8 مليار يورو إضافية خلال ربع القرن المقبل.
فيضان موجّه لتسريع الامتلاء
ينسق مركز الفيضانات التابع للشركة العملية منذ أكثر من خمس وعشرين سنة، حيث تُستمد المياه من أنهار نيسه وشبريه وشوارتسر إلستر وتوجه نحو البحيرات.
ولولا هذا الفيضان الموجه لاحتاج المنجم الواحد ما بين ثمانين ومئة سنة ليمتلئ بمياه الأمطار والجوف وحدها. ويؤدي إدخال مياه الأنهار بسرعة إلى منع تسرب المياه الحمضية القادمة من مناطق القلع.
وقد امتلأ حتى الآن تسعون بالمئة من حجم الحفرة الباقية، وتبلغ المساحة الإجمالية لهذه البحيرات ما يعادل مساحة بحيرة كومو الإيطالية الشهيرة.
بحيرة زيدليتز تفتح أبوابها في أبريل
تشكل بحيرة زيدليتز، التي كانت منجماً مكشوفاً يحمل اسم “إيلزه-أوست”، آخر قطعة رئيسية في المشروع. وتبلغ مساحتها 1400 هكتار، وستُفتتح للسباحة وركوب القوارب لأول مرة في الرابع والعشرين من أبريل الجاري، لتصبح بذلك أكبر بحيرة ترفيهية في منطقة لوساتيا بأكملها.
وتوضح كاترين وينكلر، المديرة الإدارية لجمعية السياحة في بحيرات لوساتيا: “في الوقت الحالي، اكتملت أربع بحيرات من أصل خمس، وننتظر افتتاح زيدليتز”.
خمس بحيرات تندمج في صيف 2026
في التاسع والعشرين من يونيو القادم، سيربط بين خمس بحيرات ضخمة بقنوات صالحة للملاحة، هي زينفتنبرج وغيرسفالد وبارتفيتز وزيدليتز وغروسراشن، لتشكل معاً مسطحاً مائياً متجاوراً تبلغ مساحته نحو خمسة آلاف هكتار.
وسيحتاج من يرغب في اجتيازها جميعاً عبر الماء إلى قطع نحو خمسين كيلومتراً. وتبرز قناة “إيلزه” الجديدة التي تعبر تحت خطوط سكك حديدية وطرق رئيسية. وتقول وينكلر: “هكذا يتشكل أكبر منظر مائي من صنع الإنسان في أوروبا”.
انتعاش سياحي ووظائف للسكان المحليين
يمتد أثر التحول إلى الاقتصاد المحلي، إذ سُجلت في المنطقة نحو ثمانمئة ألف ليلة مبيت خلال عام 2025. وتحقق السوق التشيكية نجاحاً ملحوظاً بزيادة 12.7 بالمئة في عدد الزوار.
وتتجه الجمعية الآن نحو السوق البولندية، مع هدف بعيد المدى ببلوغ مليون ونصف المليون ليلة مبيت سنوياً. كما تخلق البنية التحتية السياحية فرص عمل جديدة في المطاعم والفنادق والترفيه، تشمل عمال المناجم السابقين وعائلاتهم.
نموذج أوروبي لتحول مناطق الفحم
ترى وينكلر أن تجربة لوساتيا يمكن أن تكون نموذجاً يُحتذى به لمناطق تعدين الفحم الأخرى في أوروبا، لما تجمعه من إعادة تأهيل شامل للمناجم وتصميم مستدام للمناظر الطبيعية.
وقد شاركت المنطقة بالفعل في ورش عمل ورحلات استطلاعية دولية، وما زالت منخرطة في نقاش حيوي حول هذا الموضوع.
وتعتزم شركة “LEAG” المشغلة لمناجم الفحم المتبقية البدء بإغلاقها تدريجياً اعتباراً من عام 2030، على أن لا يُغلق آخرها قبل 2038، لتتحول هذه الجراح في الأرض شيئاً فشيئاً إلى أغرب وأجمل المناظر الطبيعية في القارة.