برز نمط واضح في الأسواق العالمية مع انتصاف عام اتسم بالاضطراب، تمثل في قفزات حادة لكل ما يرتبط بالتوسع في البنية المادية للذكاء الاصطناعي، مقابل تعثر فئات الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون تقليدياً في أوقات عدم اليقين.
وجرت هذه التحركات على خلفية الحرب في الشرق الأوسط والاضطرابات السياسية والارتفاع الحاد في أسعار النفط، ومع ذلك واصلت أسواق الأسهم في عدد من المناطق تسجيل مستويات قياسية جديدة.
ويرى دان كوتسورث، المسؤول عن قسم الأسواق في شركة “إيه جي بيل”، أن الشركات التي استفادت مباشرة من طفرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي كانت أبرز رهانات النصف الأول من العام، في حين شكلت عملة “بيتكوين” مفاجأة صادمة وفقد الذهب بريقه.
ويشير كوتسورث إلى أن ما حدث يمثل سلسلة تطورات لافتة في فترة لا تتجاوز نصف عام من التداول.
مكاسب غير مسبوقة لشركات الذاكرة
جاءت أكبر المكاسب من زاوية تبدو بعيدة عن الأضواء في عالم التكنولوجيا، وهي شركات تصنيع شرائح الذاكرة؛ إذ تزامن الطلب المتزايد على الحوسبة الخاصة بالذكاء الاصطناعي مع محدودية المعروض، فارتفعت الأسعار بقوة واصطحبت معها أسهم الشركات.
وتصدرت “سان ديسك” السوق الأميركية بمكاسب تجاوزت 850 في المئة في ستة أشهر، بينما تضاعفت قيمة أسهم “ويسترن ديجيتال” و”ميكرون تكنولوجي” و”سيغيت تكنولوجي” أكثر من ثلاث مرات، وهي وتيرة عائد تحتاج في العادة إلى سنوات عديدة.
توسع المراكز البيانات وصعود الأسواق الآسيوية
يعود هذا الصعود إلى الكميات الهائلة من الذاكرة والتخزين عاليي السرعة المطلوبة لتدريب وتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي في الوقت الذي تسارع فيه كبرى شركات التكنولوجيا إلى توسيع مراكز بياناتها. كما صعدت أسهم أميركية أخرى مدفوعة بموجة رهانات الذكاء الاصطناعي، من بينها “إنتل” و”دِل” و”إيه إم دي” و”أبلايد ماتيريالز”، التي ارتفعت منذ بداية العام حتى الآن بين 150 و280 في المئة.
وامتدت هذه الموجة إلى أسواق ناشئة، حيث تتمتع شركات آسيوية لصناعة الشرائح الإلكترونية مثل “تي إس إم سي” و”إس كاي هايْنِكس” بثقل كبير، ما ساعد مؤشر “كوسبي” الكوري الجنوبي على مضاعفة قيمته، ودفع مؤشر “نيكاي 225” الياباني إلى الارتفاع بنحو 40 في المئة، ومؤشر “إم إس سي آي” لأسواق الدول الناشئة إلى الصعود بنحو 27 في المئة.
تباين الأداء الأوروبي والآسيوي
حقق مؤشر “فوتسي مئة” في أوروبا مكاسب بنحو سبعة في المئة في النصف الأول من العام، وارتفع مؤشر “كاك 40” الفرنسي خمسة في المئة، بينما صعد مؤشر “داكس” الألماني اثنان في المئة؛ في المقابل تراجع مؤشر “إم إس سي آي” الهندي خمسة في المئة، وخسر مؤشر “هانغ سنغ” في هونغ كونغ ستة في المئة.
واللافت أن موجة الصعود في أسهم شرائح الذاكرة بدأت في الأيام الأخيرة تتفكك، مع تعرض عدد من الأسماء نفسها لعمليات بيع حادة طالت قطاع التكنولوجيا عموماً.
تراجع عمالقة التكنولوجيا والأصول الآمنة
كانت الضربة قاسية لأسهم الأمس الرابحة في المقابل. فقد تُركت شركتا “ميتا” و”مايكروسوفت”، اللتان كانتا من نجوم موجة الذكاء الاصطناعي السابقة، في الخلف، بعدما هبطتا بنحو 14 و24 في المئة على أساس إجمالي العائد، إذ حولت نفقاتهما الضخمة على الذكاء الاصطناعي هاتين المجموعتين إلى أعمال أكثر نهماً لرأس المال، وتوقف المستثمرون عن دفع علاوة سعرية مقابل امتلاك أسهمهما.
وباتت أسهم “مايكروسوفت” تتداول عند أدنى مستوياتها من حيث التقييم منذ عقد، لتصبح قيمتها هي و”ميتا” أكثر تواضعاً من قيمة “ماكدونالدز”، وهو سيناريو قليلون من كان ليتخيله في ذروة هوس “Magnificent 7”.
وفي أماكن أخرى، خيّبت أصول كثيرة الآمال رغم التوقعات بأن تتصدر المشهد؛ إذ قاد الذهب المستثمرين في رحلة متقلبة، فبعد أن قفز إلى مستوى قياسي بلغ 5,594.82 دولار للأونصة في 29 كانون الثاني/يناير، فقد نحو 28 في المئة من قيمته مقارنة بذروته، على الرغم من الاضطرابات الجيوسياسية التي تدفع عادة المستثمرين إلى التهافت على الأصول الآمنة.
غير أن جاذبيته تراجعت مع ارتفاع عوائد السندات وأسعار الفائدة على النقد، التي توفر دخلاً لا تستطيع سبيكة الذهب أن تقدمه. وكان أداء عملة “بيتكوين” أسوأ، إذ تراجعت بنحو 28 في المئة منذ بداية العام مع انحسار الحماسة للعملات المشفرة وتحول السيولة نحو أسهم التكنولوجيا.
صفقات الاستحواذ وتراجع قطاع الدفاع
وقامت صفقات الاستحواذ بالجزء الأكبر من العمل لرفع السوق في المملكة المتحدة؛ إذ استقطبت ست شركات مدرجة على مؤشر “فوتسي مئة”، من بينها “غلينكور” و”شرودرز” و”سيغرو”، عروض استحواذ خلال النصف الأول من العام، في إشارة إلى أن المشترين ما زالوا يرون قيمة في الأسهم القيادية البريطانية رغم إعادة تسعيرها على مدى الأعوام الثلاثة الماضية.
وفي المقابل، واجهت شركات بناء المساكن مثل “برسيمون” صعوبات في ظل سوق عقارية بطيئة، بينما طالت مخاوف الاضطراب الذي قد يسببه الذكاء الاصطناعي شركات مرتبطة بالتكنولوجيا مثل “إكسبريان” و”ريل إكس”.
ومن بين التداولات التي بردت بصورة لافتة قطاع الدفاع؛ فبعد عام 2025 قوي، تراجعت أسهم شركات مثل “بي إيه إي سيستمز” و”راينميتال” الألمانية و”بالانتير” الأميركية، بعدما بدا أن الأنباء الإيجابية عن ارتفاع ميزانيات الدفاع انعكست بالكامل في الأسعار، ليتجه المستثمرون بحثاً عن فرص أخرى.
