ثلاث سنوات انقضت منذ أن استيقظ العالم على زلزال السابع من أكتوبر 2023، لتنتهي معها ملامح قطاع غزة كما عرفتها الخرائط لعقود. ألف يوم من العمليات العسكرية المستمرة لم تغير فقط من شكل المباني والأحياء، بل أعادت هندسة الديموغرافيا، ومزقت الجغرافيا، وفرضت واقعاً سياسياً وإقليمياً جديداً، في واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والسياسية في القرن الحادي والعشرين.
اليوم، لا يبدو القطاع الساحلي مجرد منطقة خارجة من حرب، بل ساحة اختبار مفتوحة لمشاريع إعادة الإعمار، والسيطرة الأمنية، وصياغة التحالفات في الشرق الأوسط.
مدن من قماش.. جيل الخيام واقتصاد البقاء
على الأرض، تلاشت الخطوط الفاصلة بين المدن والمخيمات التاريخية. تحولت مناطق مثل “المواصي” والأطراف الغربية لدير البلح وخان يونس من مساحات زراعية ورملية إلى “عشوائيات مستدامة” مصنوعة من الصفيح والخشب والخيام البلاستيكية. لم يعد النزوح حالة طارئة، بل أصبح الهيكل الدائم لحياة مئات الآلاف من العائلات.
في شوارع هذه التجمعات الجديدة، انهار الاقتصاد الرسمي بالكامل ليحل محله “اقتصاد البقاء”. باتت السلع الأساسية والمساعدات الإنسانية هي العملة الصعبة، ونشأت شبكات توزيع أهلية تعتمد على المقايضة.
ومع وصول معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة تتجاوز 85%، فقدت الغالبية العظمى من القوى العاملة مصادر دخلها.
وفي غمرة هذا التحول، تغيرت أولويات الشارع الغزي؛ فتراجعت النقاشات السياسية الكبرى لصالح صراع يومي لتأمين المياه النظيفة، الأمن الغذائي، وأدوية الأمراض المزمنة، وسط مخاوف من ضياع جيل كامل من الأطفال الذين فقدوا ثلاث سنوات متتالية من التعليم النظامي.

خريطة مقطعة الأوصال
لم يقتصر التغيير على السطح المجتمعي، بل امتد ليضرب عمق الجغرافيا. خريطة غزة لعام 2026 لم تعد كتلة متصلة، بل تحولت إلى جزر معزولة هندسياً وعسكرياً.
وصادرت “المناطق العازلة” التي فُرضت على طول الحدود الشرقية والشمالية ما يقارب 20% من إجمالي مساحة القطاع، وهي مناطق كانت تُعد السلة الغذائية الرئيسية.
وفي المنتصف، برز “ممر نتساريم” كشريان عسكري يقطع غزة عرضياً من الشرق إلى البحر المتوسط، فاصلاً الشمال عن الجنوب، ليخضع حركة السكان لرقابة مشددة عبر بوابات تفتيش بيومترية.
جنوباً، فرضت الترتيبات الأمنية الجديدة في “محور فيلادلفيا” وعلى طول الحدود مع مصر واقعاً مغايراً، مع بناء جدران تحت الأرض وأبراج مراقبة تقيد تدفق البضائع والأفراد.
فاتورة الإعمار.. مهمة مستحيلة تحت الركام
أمام هذا التمزيق الجغرافي، تقف لغة الأرقام لتروي فصلاً آخر من المأساة. تشير تقديرات البنك الدولي والأمم المتحدة إلى أن قطاع غزة يحتاج إلى ميزانية تتراوح بين 40 إلى 50 مليار دولار أمريكي لإعادته إلى ما كان عليه قبل الحرب.
والتحدي لا يقتصر على إعادة بناء أكثر من 370 ألف وحدة سكنية متضررة أو مدمرة بالكامل، بل يبدأ من الأرض نفسها. يقبع القطاع تحت أكثر من 40 مليون طن من الركام السكني والتجاري، الممزوج بآلاف الأطنان من الذخائر غير المنفجرة، مما يجعل مجرد تنظيف الأرض عملية خطرة ومكلفة قد تستغرق عقداً كاملاً قبل وضع حجر الأساس الأول لأي مشروع إسكاني شامل، ناهيك عن الانهيار التام للبنية التحتية الصحية وتلوث الخزان الجوفي.
“مجلس السلام”.. هندسة الفراغ السياسي
أمام هذا الدمار الشامل، أفرزت مرحلة ما بعد الحرب واقعاً سياسياً جديداً استدعى تدخلات إقليمية ودولية غير مسبوقة لسد الفراغ الإداري والأمني، تجسدت في مساعي تشكيل ما يُعرف بـ “مجلس السلام” لإدارة أزمة غزة.
يعتمد هذا التحالف الدولي-الإقليمي في مقاربته على شروط قاسية لإعادة دمج غزة في محيطها؛ أبرزها فرض إدارة تكنوقراطية خالية من الانتماءات الفصائلية المسلحة لتولي الشؤون المدنية وتوزيع المساعدات.
يتزامن ذلك مع شرط حاسم بـ “نزع السلاح”، حيث تُربط أموال إعادة الإعمار بضمانات أمنية صارمة تمنع إعادة بناء الترسانة العسكرية، مع نشر قوات مراقبة وحفظ سلام عربية ودولية لضمان أمن الحدود ومنع الاحتكاك المباشر.
إقليمياً، لم تكن تداعيات هذا المجلس محصورة داخل أسوار غزة. فقد سرّعت هذه الترتيبات من وتيرة النقاشات حول تكامل دفاعي إقليمي يضم دولاً عربية وغربية، مما زاد من حدة الاستقطاب في الشرق الأوسط.
وفي الوقت ذاته، أعادت الأزمة إحياء الحديث عن “حل الدولتين”، حيث اشترطت عواصم عربية رئيسية وجود مسار سياسي واضح ومُلزم كشرط مسبق للمساهمة في تمويل الإعمار، مما أعاد ربط مصير غزة بالمسار السياسي الشامل في الضفة الغربية.
بعد ثلاث سنوات، تقف غزة كمدينة تحاول التنفس تحت الأنقاض. وبينما نجحت الدبلوماسية الدولية في فرض استقرار هش واحتواء التوسع الشامل للحرب الإقليمية، لا يزال السؤال الأكبر معلقاً بلا إجابة: كيف ومتى سيعيش أكثر من مليوني إنسان حياة طبيعية في بقعة جغرافية فقدت مقومات الحياة؟
