أعادت الحرب على إيران رسم عدد من ملامح سوق النفط العالمي، مع بروز تحولات قد تستمر آثارها حتى بعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار، بدءاً من النفوذ الإيراني المتزايد في مضيق هرمز، مروراً بتغير أنماط الطلب في الصين، وصولاً إلى ارتفاع الإنتاج في دول نفطية خارج الشرق الأوسط.
وفي تقرير نشرته شبكة “سي إن إن”، يرى ديفيد غولدمان أن بعض التداعيات المباشرة للحرب، ومنها ارتفاع تكاليف المعيشة في الولايات المتحدة، قد تتراجع في حال توصل واشنطن وطهران إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، لكن التغيرات التي شهدها الاقتصاد العالمي قد تكون أكثر استدامة.
ومن أبرز هذه التحولات، بحسب التقرير، قدرة إيران على استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط اقتصادية، إلى جانب تنامي دور الصين في التأثير على حجم الطلب العالمي، وارتفاع إنتاج النفط في دول خارج الشرق الأوسط، بما قد يغير شكل السوق خلال السنوات المقبلة.
وينقل التقرير عن روس مايفيلد، استراتيجي الاستثمار في “Baird”، أن إغلاق مضيق هرمز لم يعد احتمالاً نظرياً، بعدما أثبتت طهران قدرتها على استخدام الممر الحيوي للضغط اقتصادياً.
ويرى محللون أن أي تسوية مستقبلية قد تتضمن ترتيبات تتيح لإيران تحصيل رسوم مقابل خدمات مرتبطة بضمان العبور الآمن عبر المضيق.
وتقدّر ناتاشا كانيفا، رئيسة تحليل السلع في “JPMorgan”، أن تطبيق نظام مشابه للرسوم المفروضة في المضائق التركية قد يضيف نحو دولار إلى سعر برميل النفط، بينما قد تبلغ تكلفة رحلة الذهاب والإياب لناقلة نفط خام عملاقة نحو 260 ألف دولار.
الصين تعيد تشكيل الطلب على النفط
أظهرت الحرب، بالتوازي مع أزمة هرمز، أن تأثير الصين في سوق النفط لا يرتبط بحجم إنتاجها، وإنما بقدرتها على التأثير في الطلب. واعتمدت بكين على مخزونات كبيرة كانت قد راكمتها قبل الحرب، ما سمح لها بخفض وارداتها من الخام بنحو خمسة ملايين برميل يومياً.
وتزامن ذلك مع تحولات في أنماط استهلاك الطاقة. وخلال عطلة عيد العمال في مايو، ارتفع استخدام محطات شحن السيارات الكهربائية على الطرق السريعة الصينية بنسبة 55.6% مقارنة بالعام السابق، فيما اقتربت حصة المركبات الكهربائية من ربع السيارات المستخدمة على تلك الطرق.
كما تمكنت الصين من الانتقال سريعاً من محطات الكهرباء التي تعتمد على النفط والغاز إلى الفحم، ما ساعدها على الحد من تداعيات اضطرابات إمدادات الطاقة.
وبحسب “JPMorgan”، فقدت السوق نحو 1.9 مليار برميل من نفط الشرق الأوسط خلال الحرب، لكن تراجع استهلاك الأفراد والشركات عوّض نحو 800 مليون برميل من الكمية المفقودة.
ويرى التقرير أن استمرار جانب من هذا الانخفاض، ولا سيما في الصين، قد يحول دون عودة الطلب العالمي بالكامل إلى مستوياته السابقة، ويعيد إلى الواجهة احتمال وصول العالم إلى ذروة الطلب على النفط.
زيادة الإنتاج خارج الشرق الأوسط
دفعت اضطرابات الإمدادات دولاً منتجة خارج الشرق الأوسط إلى تسريع وتيرة إنتاجها. ووفق بيانات أوردتها “JPMorgan”، زادت البرازيل إنتاجها بنحو 800 ألف برميل يومياً، وغيانا 300 ألف، وكندا 200 ألف، والنرويج 150 ألفاً.
وفي الولايات المتحدة، ارتفع الإنتاج بنحو 900 ألف برميل يومياً مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بعد تردد أولي بشأن زيادة الإمدادات.
ويتوقع التقرير استمرار جزء كبير من هذه الزيادات حتى بعد عودة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها، خصوصاً مع توسع مشاريع الإنتاج في البرازيل وغيانا.
وفي المقابل، تتحرك دول الشرق الأوسط لتقليص اعتمادها على المضيق، إذ زادت السعودية استخدام خط أنابيب الشرق-الغرب ومسارات النقل البرية باتجاه البحر الأحمر، فيما تجري بغداد محادثات مع “Chevron” بشأن إنشاء خط أنابيب يصل إلى البحر المتوسط.
ولا تقتصر التحولات على الإنتاج ومسارات النقل، إذ تواجه منظمة “أوبك” تحديات داخلية أيضاً، بعد إعلان الإمارات العربية المتحدة نيتها الانسحاب من المنظمة في أبريل، بينما يلوّح العراق بإعادة النظر في عضويته ما لم تُرفع حصته الإنتاجية.
وبحسب “Bloomberg”، تستهدف بغداد رفع إنتاجها إلى خمسة ملايين برميل يومياً بعد الحرب، وصولاً إلى سبعة ملايين برميل يومياً على المدى الطويل.
ويرى غولدمان في “سي إن إن” أن هذه التحولات قد تقود في نهاية المطاف إلى وفرة مستمرة في المعروض وتراجع أسعار النفط بما يعود بالنفع على المستهلكين، لكنها في الوقت نفسه قد تضغط على أرباح شركات النفط وتعيد تشكيل موازين سوق الطاقة العالمية لسنوات مقبلة.
