تتوسع الاستثمارات الإماراتية في ألمانيا بوتيرة لافتة، مدفوعة بتوجه متزايد نحو قطاعات الطاقة والصناعة والتكنولوجيا واللوجستيات، لتتحول العلاقة الاقتصادية بين أبوظبي وبرلين تدريجياً من شراكة تجارية إلى شراكة استثمارية وصناعية ذات أبعاد استراتيجية.
وبلغت التجارة غير النفطية بين البلدين 15.51 مليار دولار خلال عام 2025، بنمو تجاوز 14 بالمئة، فيما وصلت الاستثمارات الألمانية في الإمارات إلى 8.96 مليار دولار بين عامي 2020 و2024، مقابل 744 مليون دولار للاستثمارات الإماراتية في ألمانيا خلال الفترة نفسها، وفق البيانات المنشورة عن المكتب الإعلامي لحكومة دولة الإمارات.
وتتجه الاستثمارات الإماراتية بصورة متزايدة إلى قطاعات ترتبط مباشرة باحتياجات الاقتصاد الألماني، خصوصاً الطاقة والصناعة والتكنولوجيا، في وقت تواجه فيه برلين ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع القدرة التنافسية لبعض الصناعات والحاجة إلى تسريع التحول الرقمي والأخضر.
وتضم الإمارات نحو 2000 شركة ألمانية تعمل في قطاعات مختلفة، وتتخذ من الدولة مركزاً إقليمياً لخدمة أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، فيما يواصل مجتمع الأعمال الإماراتي توسيع حضوره واستثماراته في السوق الألمانية.
استثمارات إماراتية تعيد تشكيل الشراكة الاقتصادية
يقول الكاتب والمحلل المتخصص في الشؤون الأوروبية الدكتور عبدالرحمن عمار، لـ”اقتصاد سكاي نيوز عربية”، إن أهمية الاستثمارات الإماراتية في ألمانيا ترتبط بكونها تأتي من شريك موثوق، فضلاً عن تركّزها في قطاعات حيوية تمثل أولوية للاقتصاد الألماني، وفي مقدمتها الطاقة والصناعة والتكنولوجيا.
ويرى عمار أن تنامي رصيد الاستثمارات الإماراتية يعكس اتساع الحضور الاقتصادي الإماراتي في أكبر اقتصاد أوروبي، وينقل العلاقة بين البلدين من التعاون التجاري التقليدي إلى شراكات استثمارية وصناعية طويلة الأجل.
ويأتي ذلك بالتزامن مع زيارة رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى ألمانيا ولقائه المستشار الألماني فريدريش ميرتس، في وقت يعمل فيه البلدان على توسيع الشراكة الاستراتيجية وتعميق التعاون الاقتصادي، بالتوازي مع بحث ملفات تتعلق بالسلام والاستقرار في الشرق الأوسط.
وتواجه ألمانيا في الوقت نفسه تحديات ضاغطة على اقتصادها، من ارتفاع تكاليف الطاقة إلى الضغوط التي تطال القطاع الصناعي، وفي مقدمتها صناعة السيارات، وهو ما يجعل الاستثمارات الأجنبية طويلة الأجل أكثر أهمية لدعم تحديث القدرات الإنتاجية وتعزيز التنافسية.
ويشير عمار إلى أن ضخ استثمارات إماراتية في الطاقة والصناعة والتكنولوجيا يمكن أن يدعم جهود الحكومة الألمانية في التعامل مع هذه التحديات، من خلال تمويل مشروعات جديدة وتطوير القدرات الإنتاجية وتعزيز تنافسية الاقتصاد.
صفقات بمليارات اليوروهات تدخل قلب الصناعة الألمانية
وتظهر الصفقات الأخيرة حجم التحول في طبيعة الحضور الإماراتي داخل السوق الألمانية.
ففي ديسمبر 2025، أعلنت شركة الإمارات العالمية للألمنيوم توسعة شركة “ليشتميتال” التابعة لها في ألمانيا باستثمارات تقارب 170 مليون دولار، بهدف زيادة قدرات إعادة تدوير الألمنيوم، على أن تبدأ المنشأة الجديدة الإنتاج بحلول عام 2028.
وفي الشهر نفسه، استكملت شركة “XRG”، ذراع الاستثمار الدولي في قطاع الطاقة التابعة لـ”أدنوك”، الاستحواذ على شركة “كوفيسترو” الألمانية المتخصصة في تصنيع الكيماويات والبوليمرات عالية الأداء والمواد المستدامة، في صفقة بلغت قيمتها 14.7 مليار يورو.
وفي مايو 2026، وقعت مجموعة موانئ أبوظبي اتفاقية للاستحواذ على شركة “إم بي إس اللوجستية” الألمانية بقيمة مؤسسية بلغت نحو 300 مليون درهم، في خطوة تستهدف توسيع حضور المجموعة في سوق وسط أوروبا وتعزيز شبكة الخدمات اللوجستية متعددة الوسائط في ألمانيا.
ويقول خبير العلاقات الدولية والاقتصادية محمد الخفاجي، لـ”اقتصاد سكاي نيوز عربية”، إن هذه الاستثمارات تعكس انتقال العلاقات الإماراتية–الألمانية إلى مرحلة تتجاوز الاستثمار التقليدي، لتشمل قطاعات ترتبط مباشرة بمستقبل القدرة التنافسية لألمانيا وأوروبا، وعلى رأسها الطاقة والصناعة والتكنولوجيا والبنية التحتية.
ويضيف أن توجيه الاستثمارات إلى هذه القطاعات يأتي في توقيت تواجه فيه ألمانيا تحديات مرتبطة بارتفاع تكاليف الطاقة وضعف الاستثمار الصناعي والحاجة إلى تحديث البنية التحتية وتسريع التحول الرقمي والأخضر.
الطاقة.. محور استراتيجي للحضور الإماراتي في ألمانيا
تتقدم الطاقة كأحد أبرز محاور التعاون بين البلدين، من خلال استثمارات تمتد من الطاقة المتجددة والغاز الطبيعي إلى الهيدروجين وتخزين الطاقة.
وتوفر شركة “مصدر” 476 ميغاواط من الطاقة النظيفة لألمانيا من خلال استثمارها في مشروع مزرعة الرياح البحرية “إيغل بحر البلطيق”، الذي تصل قيمته إلى 1.6 مليار يورو، ويمكنه توفير الكهرباء لنحو 475 ألف منزل.
وفي قطاع الغاز الطبيعي، توفر “أدنوك” للسوق الألمانية 1.6 مليون طن متري سنوياً من الغاز الطبيعي المسال بموجب اتفاقيات توريد طويلة الأمد، بما يلبي احتياجات الطاقة السنوية لنحو 3.5 مليون منزل في ألمانيا، بينما تسهم استثمارات “XRG” في ممر الغاز الجنوبي في تنويع وموثوقية إمدادات الغاز إلى أوروبا.
وتتجاوز الاستثمارات الإجمالية لشركات “أدنوك” و”XRG” و”مصدر” 20 مليار يورو في قطاعي الطاقة والصناعة داخل ألمانيا، فيما تمثل “كوفيسترو” واحدة من أكبر الاستثمارات الإماراتية في القطاع الصناعي الألماني، باستثمارات تتجاوز 14 مليار يورو، وتضم الشركة نحو 7 آلاف موظف يعملون عبر ستة مواقع في ألمانيا.
ولا تقتصر الشراكة في قطاع الطاقة على الإنتاج والتوريد، إذ تبحث “مصدر” وشركاؤها الألمان فرص تطوير أنظمة بطاريات لتخزين الطاقة في ألمانيا، إلى جانب مشروعات طاقة الرياح البحرية والهيدروجين الأخضر.
ويؤكد الخفاجي أن توسع التعاون من إنتاج الطاقة إلى تخزينها والهيدروجين يعكس توجهاً نحو بناء منظومة طاقة أكثر استدامة، فيما يمكن للاستثمارات الإماراتية أن توفر جزءاً من رأس المال المطلوب لتطوير هذه القطاعات على المدى الطويل.
استثمارات تدعم تنافسية الاقتصاد الألماني
ولا تتوقف مجالات التعاون المحتملة عند الطاقة والصناعة التقليدية، إذ تمتد إلى قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، مثل أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية والصناعات المتقدمة.
ويرى الخفاجي أن رأس المال الإماراتي قادر على تمويل قطاعات تحتاج إلى استثمارات طويلة الأجل، خصوصاً تلك التي تجمع بين رفع الإنتاجية وخفض الانبعاثات وتطوير التكنولوجيا، وهو ما يجعل الاستثمار الإماراتي متقاطعاً مع أولويات الاقتصاد الألماني خلال المرحلة المقبلة.
ويضيف أن أهمية هذه الاستثمارات لا ترتبط بحجم رأس المال وحده، وإنما بطبيعة الأصول والمشروعات التي يجري تمويلها، وما يمكن أن تضيفه إلى القدرة الإنتاجية وأمن الطاقة وسلاسل التوريد الصناعية في ألمانيا.
شراكة تتوسع من التجارة إلى التكنولوجيا والصناعة
ويستند هذا المسار إلى قاعدة مؤسسية تمتد لأكثر من عقدين، منذ توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين الإمارات وألمانيا عام 2004، والتي شكلت إطاراً لتوسيع التعاون بين البلدين في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والتجارية وغيرها.
وفي يوليو 2025، شهدت برلين إطلاق مجلس الأعمال الإماراتي–الألماني بحضور أكثر من 150 شخصية من قادة الأعمال والشركات في البلدين، بهدف تعزيز التجارة والاستثمار وتطوير الشراكات بين مجتمعَي الأعمال.
كما يضم المجلس الألماني الإماراتي المشترك للصناعة والتجارة، الذي تأسس عام 2009، أكثر من 500 شركة ألمانية وإماراتية.
ومع توسع الاستثمارات الإماراتية في الطاقة والصناعة واللوجستيات، تبدو العلاقة الاقتصادية بين البلدين أمام مرحلة جديدة لا تقاس فقط بحجم التجارة أو قيمة صفقات الاستحواذ، وإنما بقدرتها على إنتاج قيمة اقتصادية داخل ألمانيا.
ويؤكد الخفاجي أن تقييم نجاح هذه الاستثمارات ينبغي أن يرتبط بأثرها الفعلي، من حجم الطاقة النظيفة التي تضيفها، وخفض الانبعاثات، وتحديث المصانع والتقنيات، إلى الوظائف التي توفرها وسلاسل التوريد الصناعية التي تنشأ حولها.
وهكذا تتجه الشراكة الإماراتية–الألمانية إلى صيغة أكثر عمقاً، يلتقي فيها رأس المال الإماراتي مع احتياجات الاقتصاد الألماني في الطاقة والصناعة والتكنولوجيا، بينما تعزز الإمارات موقعها كشريك استثماري طويل الأجل داخل أحد أهم المراكز الصناعية والتكنولوجية في أوروبا.
