أعلن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، السبت، أن بلاده تدرس الانضمام إلى تحالف مكة الدفاعي، الذي أسسته السعودية وتركيا وباكستان. ولا يعني الإعلان أن دمشق قررت الانضمام، لكنه أول إشارة علنية من دولة عربية خارج الدول المؤسسة إلى أنها تفكر في دخول هذا الإطار. ويأتي ذلك بعد أقل من ثلاثة أشهر على توقيع الاتفاق، وبعد أسابيع من أول خطوة عملية اتخذها التحالف. وتكتسب الخطوة وزنها من توقيتها، فالمنطقة ما زالت تعيش تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وكثير من العواصم تراجع حساباتها الأمنية، والرياض تبرز بوصفها مركز ثقل في صياغة ترتيبات أمن إقليمية.
من اتفاق ثنائي إلى تحالف ثلاثي
وقّع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف «اتفاق مكة للدفاع المشترك» في السابع من أغسطس 2026، في قصر الصفا بمكة المكرمة. ونشرت وكالة الأنباء السعودية (واس) ووزارة الخارجية الباكستانية بيانًا مشتركًا جاء فيه أن الاتفاق يهدف إلى تعزيز الردع الجماعي في مواجهة أي عدوان، وأنه يعدّ أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا، كما ينص على تطوير التعاون الدفاعي بينها في كل جوانبه.
ويبني الاتفاق على اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك التي وقّعتها الرياض وإسلام آباد قبل نحو عام. وفي اجتماع لكبار مسؤولي الدول الثلاث في إسطنبول نهاية أغسطس، أُعلن رسميًا اسم «تحالف مكة الدفاعي»، وبدأت «اللجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية» المنبثقة عن الاتفاق عملها على تحويل الالتزام السياسي إلى آليات تنفيذية.
وبحسب مؤشر «غلوبال فاير باور» لعام 2026، تملك الدول الثلاث مجتمعةً نحو 1.4 مليون عسكري في الخدمة الفعلية، ونحو 3400 طائرة عسكرية، و6000 دبابة، وأكثر من 340 قطعة بحرية.
ماذا قال المسؤولون؟ قراءة في التصريحات
حرص المسؤولون منذ البداية على نفي أن يكون التحالف موجهًا ضد طرف بعينه. فقد قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن الاتفاق لا يحدد إيران ولا أي دولة أخرى تهديدًا مشتركًا، وذكر أن التحضير له استمر قرابة سنتين وثمانية أشهر. ومعنى ذلك أن الاتفاق ليس ردة فعل على أزمة طارئة، بل مشروع بُني على مراحل، وأن أنقرة والرياض أرادتا إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحًا مع طهران.
ثم جاء الاختبار العملي مع تصاعد هجمات جماعة الحوثي على أراضي المملكة. فقد قال وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف لقناة «جيو نيوز» الباكستانية إن أي عدوان غير مبرر على السعودية، أو امتداد للصراع اليمني إلى أراضيها، سيجعل اتفاق مكة نافذًا بلا شك. وفي أوائل أكتوبر، كتب وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان أن اللجنة «اتفقت على تفعيل إجراءات الردع الجماعي، في إطار التحالف، ردًا على الهجمات وعلى كل المسؤولين عنها»، ووافقت تركيا وباكستان على نشر قوات في المملكة بسرعة.
بهذه الخطوة انتقل التحالف من إعلان سياسي إلى التزام عملي. والأرجح أن دمشق قرأت هذا التحول جيدًا قبل أن تعلن أنها تدرس الانضمام، فالتحالف الذي أثبت قدرته على التفعيل يغري بالانضمام أكثر من تحالف بقي حبرًا على ورق.
لماذا يجذب تحالف مكة الدفاعي دمشق؟
يرى المجلس الأطلسي (Atlantic Council) أن اتفاق مكة يمثل «نقطة تحول» في النظام متعدد الأقطاب الناشئ في الشرق الأوسط وجنوب آسيا. ويقول إن الاتفاق يكرس مبدأً تتبناه الدول الثلاث، هو ألا تنفرد قوى خارجية بقلب الأنظمة السياسية الإقليمية أو تعديلها. ويشير المجلس إلى أن تركيا كانت قد مدّت مظلتها الدفاعية من قبل إلى حلفاء في قطر وسوريا وليبيا، وأن التحالف الجديد يضيف إلى هذه المظلة موارد ضخمة. وهذا يفسر جزئيًا لماذا تبدو سوريا مرشحًا طبيعيًا.
أما مجلس العلاقات الخارجية الأميركي (CFR) فيذهب أبعد من ذلك، ويرى أن الاتفاق دليل على أن القوى الإقليمية صارت تصوغ نظامها الأمني بنفسها، بعدما تراجع النظام الذي قادته الولايات المتحدة في المنطقة. غير أن ياسمين فاروق، الباحثة في مجموعة الأزمات الدولية، تقدم قراءة أكثر تحفظًا. فهي تذكّر بأن الدول الثلاث كلها شريكة للولايات المتحدة، وتدرك أن أي إطار لن يحل محل واشنطن، وتعدّ من الخطأ النظر إلى الاتفاق على أنه خطوة نحو مواجهة أوسع مع إيران.
وتتضح دوافع دمشق عند النظر إلى الوضع الميداني. فبعد أيام من توقيع الاتفاق، قصفت إسرائيل قاعدة أبو الظهور الجوية شمالي سوريا، على بعد نحو 70 كيلومترًا من الحدود التركية، وقالت إنها تستبق انتشارًا عسكريًا تركيًا هناك. وفي هذا السياق، يرى عمر كريم، الباحث في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية في الرياض، أن بروز إسرائيل «قوةً مهيمنة استراتيجيًا» في المنطقة له انعكاسات على الدول الثلاث كلها. ويرجّح أن تنضم مصر أو سوريا أو بنغلاديش إلى التحالف، لكنه يقول إن ذلك يحتاج وقتًا حتى تنضج التفاهمات بين جميع الأطراف. ومن هنا يبدو التحالف لدمشق مظلة ردع تتجاوز ما تستطيع تحقيقه وحدها، وطريقًا لترسيخ علاقتها بالرياض وأنقرة معًا.
الانعكاسات على المنطقة العربية
إذا انضمت سوريا، فسيكون التحالف قد مد نطاقه لأول مرة إلى المشرق العربي. وسيعني ذلك أن الرياض صارت محورًا لشبكة أمنية تربط الخليج بجنوب آسيا والأناضول وبلاد الشام. وتمثل هذه المكانة امتدادًا للدور الدبلوماسي السعودي في دعم استقرار سوريا. كما يحمل اختيار مكة المكرمة مكانًا للتوقيع رمزية تمنح الاتفاق ثقلًا معنويًا يتجاوز بنوده العسكرية.
ويرتبط ذلك أيضًا بأمن الممرات البحرية والطاقة، الذي تتابع آثاره الاقتصادية في مقالنا خريف الغضب: حين وصلت فاتورة هرمز إلى شوارع أوروبا. فأي ترتيب يعزز الردع الإقليمي يؤثر مباشرة في استقرار هذه الممرات. ولا ينفصل هذا كله عن دعوات القاهرة إلى حماية أمن الخليج والممرات المائية، وهي دعوات تناولناها في تقرير مصر تحذر من المنامة.
غير أن توسع التحالف لا يخلو من تعقيدات. فهو يتطلب تحديد شروط تفعيل بند الدفاع المشترك بدقة، وهي مسألة ما زالت غامضة. ويتطلب أيضًا إدارة العلاقة مع طهران، التي تواصل التحذير من أي هجوم جديد عليها، كما يوضح تقريرنا عن تحذير خامنئي لواشنطن.
سيناريوهات تحالف مكة الدفاعي بعد الإعلان السوري
السيناريو الأول: انضمام سوري تدريجي
تبدأ دمشق بمشاورات فنية مع اللجنة السياسية والدفاعية، ثم تنال صفة مراقب أو شريك قبل العضوية الكاملة. ومن المؤشرات التي ترجّح هذا السيناريو: زيارات سورية رفيعة إلى الرياض وأنقرة، وبيانات ترحيب رسمية من الدول المؤسسة، وإدراج الملف على جدول اجتماعات اللجنة المقبلة.
السيناريو الثاني: توسع أوسع يشمل دولًا أخرى
تنضم سوريا ضمن موجة توسع تشمل دولًا مثل قطر أو الأردن أو أذربيجان. وقد عدّ الباحث التركي علي باكير قطر «المرشح الأكثر طبيعية»، ورأى أن أذربيجان وسوريا والأردن قد تنضم «بسرعة نسبية». ومن مؤشرات هذا السيناريو صدور إعلانات مماثلة من عواصم أخرى، أو حديث رسمي عن آلية لقبول أعضاء جدد.
السيناريو الثالث: تريّث وتعاون من خارج العضوية
تفضل الدول المؤسسة أن تستكمل بناء هياكل التحالف قبل أي توسع، فتتعاون مع دمشق بصيغ ثنائية أو عبر التدريب والتنسيق دون عضوية رسمية. ويرجّح هذا السيناريو غياب رد رسمي سريع على الإعلان السوري، وتركيز اللجنة على الجبهة اليمنية، حيث تتواصل في الوقت نفسه جهود محلية لحماية المدنيين، منها ميثاق الشرف الذي أطلقه زعماء قبائل اليمن من جنيف.
الإعلان السوري ما زال نية معلنة، وليس قرارًا. لكنه يقول الكثير عن موقع تحالف مكة الدفاعي بعد أقل من ثلاثة أشهر على تأسيسه. فالتحالف الذي وُلد في مكة المكرمة وفُعّل في مواجهة الهجمات على المملكة صار يجذب دولًا من خارج نواته المؤسسة. وفي قراءتنا، يعزز ذلك مكانة السعودية بوصفها مركزًا لترتيبات أمن إقليمية تصوغها دول المنطقة بنفسها، من دون قطيعة مع الشركاء التقليديين. وسيتوقف ترجيح أي من السيناريوهات الثلاثة على أمرين: رد الدول المؤسسة على الإعلان السوري، وقدرة التحالف على تحديد آليات تفعيل واضحة لبند الدفاع المشترك.
