تتربع غونهيلد فان غورب-روسيس، البالغة من العمر 69 عاماً، على عرش أثرياء بلجيكا بثروة تقدر بنحو 6 مليارات يورو، في قصة نجاح استثنائية لم تُبنَ في قطاعات التكنولوجيا أو المال، بل انطلقت من نفايات البلاستيك.
تقود غونهيلد اليوم إمبراطورية صناعية ضخمة، مفضلة البقاء بعيداً عن الأضواء، ورافضة تماماً للمقابلات الصحفية أو الظهور الإعلامي، لترسم مساراً مغايراً للصورة النمطية للمليارديرات.
شهد عام 1963 نقطة التحول الأولى في بلدة أرندونك بمقاطعة أنتويرب الفلمنكية، حين بادر راف فان غورب، الموظف في مصنع للذخائر، إلى جمع نفايات البلاستيك بعد ساعات دوامه الرسمي.
وحوّل راف هذه النفايات، التي لم يكن يعبأ بها أحد آنذاك، إلى حبيبات ومنتجات مصنعة قابلة للبيع.
ومنحت أزمة النفط في سبعينيات القرن الماضي، والتي ضاعفت أسعار الخام أربع مرات، زخماً هائلاً لهذه الفكرة المتواضعة، ليتحول البلاستيك المُعاد تدويره إلى مادة استراتيجية.
توسعت إثر ذلك شركة “رافاغو” (Ravago) التي أسسها راف لتشمل أسواق إسبانيا، وفرنسا، والولايات المتحدة، واليونان، وألمانيا، ما دفع مجلة “Trends” عام 1990 لتخصيص غلافها له بوصفه “رجل العشرة مليارات”.
شراكة استراتيجية وإدارة حازمة للأزمات
وتشكلت ملامح المرحلة الجديدة إثر لقاء جمع غونهيلد عام 1979 خلال دراستها في مدريد بيوناني يُدعى ثيو روسيس، وهو ابن تاجر زيتون، ليعودا معاً إلى بلجيكا وينضما لمؤسسة العائلة.
أدت الوفاة المفاجئة للأب راف عام 1993 إلى توزيع جديد للأدوار؛ حيث تولى ثيو الإدارة التشغيلية بينما صعدت غونهيلد لرئاسة مجلس الإدارة. ولخص أحد خبراء الصناعات الكيميائية هذه الثنائية لصحيفة “De Tijd” بقوله: “ثيو يجرؤ، وهي تقيّد المخاطر”.
وبرزت صلابة غونهيلد القيادية عام 2009 حين شُخصت إصابة زوجها بالسرطان وغاب عن العمل لسبعة أشهر، لتتولى إدارة المجموعة بالكامل.
وعن تلك المرحلة، قال ثيو في تصريح نادر لمنصة (Made-in): “زوجتي كانت في الوقت نفسه شريكة حياتي وأم أطفالي وممرضتي والمديرة التنفيذية للشركة. لن أنسى ذلك أبداً”.
وتواصل هذا الإرث بتسليم الإدارة التشغيلية عام 2022 للنجل أكسيل روسيس، مع بقاء غونهيلد في منصبها كرئيسة لمجلس الإدارة.
وتمثل “رافاغو” اليوم إحدى أكبر المجموعات الصناعية الخاصة غير المدرجة في بلجيكا، حيث توزع 7.8 مليون طن من البوليمرات سنوياً عبر 325 موقعاً في أكثر من 60 دولة، وتخدم أكثر من 56 ألف عميل بقوة عاملة تتجاوز 10 آلاف موظف.
وفي دلالة واضحة على حجم الإمبراطورية، أجرى ثيو روسيس في سبتمبر/أيلول 2023 صفقة لإعادة شراء 5.3% من أسهم الشركة بقيمة 300 مليون يورو، ما كشف عن تقييم حقيقي للمجموعة بلغ حينها 5.6 مليار يورو، قبل أن تدفع التقييمات اللاحقة ثروة العائلة لتبلغ نحو 6 مليارات يورو.
ويشكل قطاع التدوير اليوم، والذي يمتلك 25 موقعاً إنتاجياً بطاقة تتجاوز 955 ألف طن سنوياً، جوهر الخطة الاستراتيجية للمجموعة المتعددة الجنسيات، في عودة لنموذج العمل الأصلي.مدفوعة بالتوجهات البيئية الأوروبية الصارمة التي تُلزم الصناعة باستخدام المواد المُعاد تدويرها.
ووسعت المجموعة أنشطتها في المملكة المتحدة عبر الاستحواذ على شركتي “Aurora Manufacturing” و”Venture Polymers” المتخصصتين في معالجة البلاستيك بعد الاستهلاك، لتواكب سوقاً يدفعه التشريع نحو المزيد من النمو المستمر.
