تتجسد رحلة الشاب عبد الله مصطفى، البالغ من العمر 26 عاماً، في تحول استثنائي نقله من تنظيم خيمة بيضاء لإيواء مئات المهاجرات في ضواحي سبتة، إلى تصدر قوائم المرشحين لمجلس الشيوخ الإسباني.
يكسر هذا الشاب الصورة النمطية للسياسيين؛ فهو لا يحمل شهادات جامعية، بل استمد خبرته من عمله طباخاً وعامل نظافة وناشطاً محلياً.
وجد نفسه في قلب أزمة هجرة طاحنة، ليقود جهود الإغاثة وينسق مع المنظمات، متصدياً في الوقت عينه لخطابات اليمين المتطرف المعادية للأجانب، ويخوض اليوم معتركاً انتخابياً لتمثيل مدينته ونقل هموم الأحياء المهمشة إلى أروقة صناعة القرار.
نشأة قاسية وعمل ميداني في أحياء التهميش
ويحمل ستون شخصاً في سبتة اسم “مصطفى”، بحسب بيانات المعهد الوطني للإحصاء، لكن اسم عبد الله يقترن مباشرة بحي “سيدي مبارك”.
ووفقاً لصحيفة “إل باييس” الإسبانية، ولد عبد الله ونشأ في هذا الحي الواقع في ضواحي المدينة، وهو الخامس بين ثمانية إخوة في عائلة مسلمة.
وعمل الشاب طباخاً في مركز مخصص لذوي الإعاقة، ومارس مهنة تنظيف الشوارع حتى نهاية شهر يوليو/تموز الماضي. يرأس عبد الله جمعية أهلية محلية منذ عام 2022، واضطر مؤخراً لمغادرة حيه الأم والانتقال للعيش بالإيجار مع زوجته في حي “الأمير”، الذي يُصنف كأفقر حي في إسبانيا استناداً إلى مستوى الدخل.
ويصف المرشح الشاب منطقته الأولى قائلاً: “في سيدي مبارك كل شيء كان يحتاج إلى بناء. من خلال العمل الجمعوي ناضلنا لتحقيق أبسط الأشياء، فهي منطقة تخلّت عنها السلطات، تفتقر إلى المرافق وتعاني الفقر والبطالة”.
أزمة الهجرة ومواجهة اليمين المتطرف
وشكلت أزمة تدفق أكثر من 80 ألف مهاجر نحو الحدود نقطة تحول مفصلية في حياة الشاب. ساند عبد الله قوات الأمن في إعادة العديد من العابرين إلى المغرب، ثم وجه طاقاته للتعامل مع حالة الطوارئ التي خلفها بقاء أكثر من 10 آلاف شخص في المدينة.
ويرفض الناشط إطلاق وصف “الغزاة” أو الأعداء على المهاجرين، ويبين أنه شجع الآلاف منهم على العودة نظراً لشلل المدينة وعجزها عن تقديم الحلول، معرباً عن رفضه القاطع لأي اعتداء أو إساءة ضدهم.
وتصدى عبد الله في الأول من أغسطس/آب لمحاولات استغلال الأزمة، ونظم مظاهرة مضادة رداً على زيارة السياسي اليميني المتطرف ألفيسي بيريز ومجموعة “النواة الوطنية” النازية الجديدة، الذين أطلقوا دعوات لاحتجاجات بشعارات عنصرية في سبتة.
وصرح عبد الله بحزم: “لم نسمح لهم باستغلال الوضع بإسلاموفوبيتهم. جاؤوا ليقولوا لنا إننا، مسلمي سبتة، لسنا إسبانا. طردناهم. لا نقبل دروسهم في الوطنية”.
إدارة مخيم التضامن وتنسيق الإغاثة
وأسس عبد الله مخيماً تضامنياً لإيواء النساء والفتيات المهاجرات، بدأ في ملعب صغير لكرة القدم قبل أن ينتقل إلى ساحة تابعة لجمعية “القمر الأبيض” بجوار مسجد سيدي مبارك.
وتولى هناك مسؤولية تنسيق جهود قرابة 10 منظمات بارزة، منها “الصليب الأحمر” و”أطباء العالم”، لتوفير الغذاء والحماية لأكثر من 900 امرأة وفتاة.
وأمضى الناشط الشاب وعائلته شهرين ونصف الشهر دون مغادرة الخيمة البيضاء، وتحملت والدته كريمة وشقيقاته أعباء إدارة المخيم الذي ضم 300 امرأة في مساحة لا تتجاوز 300 متر مربع من السجاد.
فقد عبد الله وزنه واستنزف طاقته وهو يتنقل بدراجته الصغيرة لحل الخلافات، وتوزيع الطعام، واستقبال مجموعات القاصرين، وسط غياب الاستجابة الرسمية السريعة.
ونقلت الحكومة المخيم قبل أسبوعين إلى منشأة “كابايريّاس” الرسمية، ورغم إفراغ الخيمة، أكد عبد الله أن المهمة مستمرة قائلاً: “هذا لم ينتهِ، لا يزال هناك الكثير”.
الترشح لمجلس الشيوخ لتمثيل الضواحي
وحظي عبد الله بشعبية واسعة في سبتة وبات شخصية معروفة عبر منصة “تيك توك”، وتلقى عروضاً سياسية سابقة من أحزاب يسارية رفضها لتركيزه على حيه. كشفت “إل باييس” عن تردده الأخير في دخول غمار السياسة، مبرراً ذلك بخشيته من احتكار فضل التضامن الذي شارك فيه عشرات الجيران والمتطوعين والمنظمات، إضافة إلى قلقه من افتقاره للشهادات.
وحسم الناشط قراره بالترشح مدفوعاً بتصاعد نوايا التصويت لصالح اليمين المتطرف، وتواصل مع إنريكي سانتياغو، نائب حزب “سومار” المكلف بالتفاوض على القوائم المشتركة مع الحزب الاشتراكي.
ووافق عبد الله على الترشح بصفة مستقلة ضمن ائتلاف “مجلس شيوخ التقدم” الذي يجمع أحزاب اليسار، في سابقة يشهدها المجلس. حدد هدفه بوضوح: “اسمي موجود على الورقة، لكن التزامي هو مع ضواحي سبتة ومشاكلها. وأريد أن أضعها في المركز”.
معركة كسر العزوف الانتخابي
يدرك المرشح الشاب صعوبة المعركة الانتخابية، خاصة أن “الحزب الشعبي” حسم تمثيل المدينة في مجلس الشيوخ خلال الانتخابات الماضية بفارق يزيد قليلاً عن ألف صوت.
ويرى عبد الله أن المهمة ممكنة، مشدداً: “يجب ألّا نسهّل الأمر على اليمين المتطرف”، في إشارة إلى الصعود المتوقع لحزب “فوكس”. يضع نصب عينيه مواجهة معدلات الامتناع التاريخية عن التصويت في ضواحي سبتة، لاسيما بين فئة الشباب.
ويستلهم عبد الله موقفه من كلمات المغني الإسباني ذي الأصول المغربية مراد، مردداً: “نحن فقراء، لكننا لسنا مساكين”، ليؤكد التزامه المبدئي بالدفاع عن مدينته سبتة قبل كل شيء.
