في 27 أبريل/نيسان 2026، شهد المشهد السياسي العراقي منعطفاً تاريخياً غير مسبوق، حين كُلّف علي فالح كاظم الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة، ليصبح أصغر رئيس وزراء في تاريخ البلاد عن عمر يناهز 40 عاماً.
لم يكن هذا التكليف مجرد تسوية عابرة، بل كان تتويجاً لمسار رجل أعمال ومصرفي ذي خلفية أكاديمية رصينة، نجح في اختراق جدار الصمت السياسي بعد انسحاب عمالقة السياسة مثل نوري المالكي ومحمد شياع السوداني، ليفتح عهداً جديداً يرتكز على “صدمة العلاج” ضد الفساد المستشري وإعادة تعريف السيادة الوطنية.
عقلية إدارية استثنائية وخلفية معرفية مزدوجة
وُلد الزيدي عام 1986 في محافظة ذي قار جنوب العراق، ضمن عائلة عُرفت بحضورها الاجتماعي، قبل أن ترسخ أقدامه في العاصمة بغداد كمثال للجمع بين المال والأعمال والقانون.
ويمتلك الزيدي تركيبة أكاديمية نادرة؛ حاصل على درجة الماجستير في المالية والمصرفية، بالإضافة إلى درجتي بكالوريوس؛ الأولى في التخصص المالي ذاته والثانية في القانون، وهو ما أهله ليكون عضواً فاعلاً في نقابة المحامين العراقيين.
لم يبنِ الزيدي مسيرته داخل أروقة السلطة التقليدية، بل أسس إمبراطورية اقتصادية خارج هياكل الحكومة المنتخبة، ترأس خلالها مجالس إدارة مؤسسات حيوية كـ”الشركة الوطنية القابضة”، و”مصرف الجنوب” الإسلامي، و”جامعة الشعب”، و”معهد عشتار الطبي”.
وتجلت رؤيته الإدارية في تحويل “جامعة الشعب” إلى نموذج يربط مخرجات التعليم بسوق العمل، بينما امتدت استثماراته لتشمل قطاع البنوك وتوريد مواد “السلة الغذائية” الحكومية الضخمة التي تمس حياة ملايين العراقيين.
هذا الثراء والخبرة التنفيذية جعلته مرشح “التسوية” المثالي للإطار التنسيقي (المكون من دولة القانون، تحالف الفتح، وقوى الدولة) في ظل فراغ دستوري وضغوط دولية خانقة، خاصة بعد تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسحب الدعم في حال عودة المالكي.
ملف الفساد: “الجراحة الاستئصالية”
لم يكتفِ الزيدي بالشعارات الرنانة، بل شنّ بعد أقل من شهرين على تسلمه المنصب حملة وصفها مراقبون بأنها “أعنف عملية جراحية ضد جسد الفساد” في تاريخ العراق الحديث.
افتتح عهده بلفتة رمزية غير مسبوقة بالتنازل عن راتبه ومخصصاته، معلناً رفضه القاطع لأي هدية “حتى لو كانت ربطة عنق”، في وقت كشفت فيه مصادر مقربة تعرضه لعروض رشوة خيالية تصل إلى 200 مليون دولار لمحاولة استدراجه لشبكات الفساد، ليواجهها بوضع نفسه طوعاً تحت المجهر التحقيقي إثباتاً للنزاهة.
وتحولت هذه المواقف إلى فعل ميداني مذهل، تمثل في إصدار أوامر قبض بحق 47 مسؤولاً في يوم واحد فقط، شملت القائمة نواباً حاليين وسابقين في مجلس الوزراء وشخصيات سياسية رفيعة المستوى، في أكبر عملية ملاحقة قضائية تشهدها البلاد منذ عقود.
وأكد الزيدي بحزم أن “ما جرى هو مجرد المرحلة الأولى”، مشدداً على أن الدولة لن توفر أي حماية للفاسدين، وأن قرار مكافحة الفساد وحصر السلاح “لا يقبل التراجع ولا التسويات الشخصية”.
وقد ترافقت هذه الحملة مع إجراءات ملموسة لاسترداد الأموال، شملت مصادرة أكثر من 85 مليون دولار في قضية مرتبطة بوكيل وزارة النفط السابق، وضبط عقارات فاخرة، وسيارات فارهة، وكميات كبيرة من الذهب، فضلاً عن فتح حسابات خاصة مخصصة لاسترداد الأموال المنهوبة.
وفي تحليل عميق لهذا الزلزال الأمني والقضائي، أكدت لهيب هيغل، كبيرة محللي مجموعة “الأزمات الدولية” لشؤون العراق، أن حملة الزيدي تحمل رسائل استراتيجية مزدوجة ومحكمة.
وأوضحت هيغل أن الرسالة الداخلية موجهة لخصوم الزيدي وللساحة السياسية برمتها، مفادها أن “المناصب النافذة والحصانة البرلمانية لم تعد درعاً واقياً من القانون”، حيث استهدفت الحملة شخصيات من الصف الثاني لتثبيت مبدأ المساءلة.
أما الرسالة الخارجية، فهي موجهة بوضوح إلى واشنطن وإدارة الرئيس ترامب، لإثبات جدية بغداد في اتخاذ قرارات مؤلمة وجريئة قبيل الزيارة المرتقبة للزيدي إلى الولايات المتحدة في منتصف يوليو.
وأضافت هيغل في تصريحات قوية أن ما يميز حملة الزيدي هو “الكثافة غير المسبوقة” للمعتقلين في يوم واحد، مقارنة بحملات سابقة بقيت حبيسة التصريحات.
ومع ذلك، لفتت هيغل إلى أن الزيدي يواجه ضغوطاً أمريكية مباشرة لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة فيما يخص مكافحة غسل الأموال وتفكيك شبكات النفوذ المالي للميليشيات، مشيرة إلى أن نجاح الحكومة في تحقيق إدانات فعلية سيُعد مكسباً سياسياً ضخماً يعيد الثقة بالمؤسسات، رغم أن التركيز الحالي يبدو موجهاً نحو الشخصيات المتوسطة حفاظاً على توازنات دقيقة مع داعميه الكبار مثل المالكي والسوداني الذين أبدوا دعمهم للحملة.
ملف السلاح
انتقل الزيدي بخطوات حاسمة وجريئة لمعالجة الملف الأكثر تعقيداً وحساسية: السلاح المنفلت خارج إطار الدولة. في تحول نوعي وجذري في الخطاب الرسمي العراقي، أعلن الزيدي أن “المقاومة كانت حاجة مرحلية وقد انتفت أسبابها تماماً في الوقت الراهن”، ممهداً الطريق فلسفياً وعملياً لمرحلة جديدة ترتكز على سيادة الدولة المطلقة واحتكارها للأداة العسكرية.
وكشف الزيدي عن تقدم ملموس على الأرض، مؤكداً أن فصائل مسلحة بدأت فعلياً في تسليم أسلحتها الثقيلة والمتوسطة للدولة في عمليات تنسيقية غير معلنة سابقاً.
وشدد على أن العراق “لن يقبل بأي شكل من أشكال ازدواجية السلطة”، ولن يسمح بوجود كيانات تفرض إرادتها بقوة السلاح خارج الدستور.
وتتوج هذه الجهود بعقد “مؤتمر السيادة الوطنية” المقرر عقده نهاية العام الحالي، والذي يهدف إلى وضع حد نهائي لملف الميليشيات ودمج جميع القوى المسلحة تحت القيادة الموحدة للجيش والأجهزة الأمنية الرسمية.
رؤية الزيدي هنا تتجاوز الأمن التقليدي إلى إعادة صياغة العقد الاجتماعي، حيث تصبح الدولة هي الحاضن الوحيد للقوة، وتصبح الفصائل إما جزءاً من النسيج المؤسسي أو تتلاشى وجودتها المستقلة.
الرؤية الاقتصادية والدولية: “العراق أولاً” وكسر التبعية
على الصعيد الاقتصادي، يبني الزيدي مشروعه الإصلاحي على أنقاض النموذج الريعي التقليدي، متجهاً نحو تحويل العراق إلى سوق اقتصادي ديناميكي يعتمد على القطاع الخاص.
ويرتكز برنامج حكومته على تأسيس “صندوق للطاقة والتنمية” لتمويل مشاريع البنية التحتية العملاقة، وتشجيع الاستثمار عبر حزمة من الحوافز الضريبية والقانونية، بهدف التخلص النهائي من إرث القوانين الاشتراكية التي كبلت الاقتصاد لعقود.
ويرى الزيدي، مستنداً إلى تجربته في “جامعة الشعب”، أن ربط مخرجات التعليم بمتطلبات سوق العمل وتمكين الشباب هو المفتاح الحقيقي للتنمية المستدامة وامتصاص البطالة.
دولياً، ينتهج الزيدي سياسة “العراق أولاً” بصرامة متناهية، رافضاً أي وصاية أو إملاءات خارجية، سواء من الجوار الإقليمي أو القوى الكبرى. علاقاته المتوازنة تهدف إلى جعل بغداد جسراً للتعاون الإقليمي بدلاً من ساحة للصراعات بالوكالة.
وقد نجح حتى الآن في الملاحة الدقيقة بين الضغوط الأمريكية والإيرانية، مستفيداً من صورته كرجل أعمال محايد لا ينتمي لأي أجندة أيديولوجية، مما منحّه هامش مناورة لم يتمتع به أسلافه.
وأكدت هيغل أن هذا التوازن الدقيق هو ما يسمح للزيدي بالمضي قدماً في حملاته الداخلية رغم الحساسيات الإقليمية.
مهمة وطنية مؤقتة ورهان على المستقبل
يكرر الزيدي تأكيداته بأن وضعه المالي الممتاز يغنيه عن الطمع في السلطة، معلناً بوضوح أنه لن يترشح للانتخابات النيابية المقبلة ولن يطالب بولاية ثانية.
ويقدم نفسه كـ “مدير مؤقت للأزمة” ومهندس لمرحلة انتقالية حاسمة، مهمته الأساسية هي ترسيخ المؤسسات، حصر السلاح، واسترداد المال العام، قبل الانسحاب الطوعي.
في وقت تعتبر فيه الأوضاع “لا تحتمل الصمت أو التأجيل”، يبدو الزيدي مصمماً على أن يكون الجراح الذي يقطع العضو الفاسد لإنقاذ الجسد، في رهان تاريخي على قدرة العراق على النهوض من جديد تحت راية القانون والسيادة الكاملة.
