لغز الرحلة وثمن النفوذ
في عالم السياسة والإعلام، قلّما تجد شخصية أثارت الجدل بقدر لونا الشبل. فمسيرتها المهنية هي قصة تحوّل دراماتيكي، بدأت من أضواء الشهرة في قناة “الجزيرة” الفضائية، لتنتهي في دهاليز القصر الرئاسي بدمشق كمستشارة نافذة للرئيس بشار الأسد. لم يكن هذا الانتقال مجرد تغيير وظيفي، بل كان خياراً مصيرياً حمل في طياته نفوذاً هائلاً، وصراعات خفية، وثمناً باهظاً دفعته في نهاية المطاف.
لقد تصدر اسم الشبل عناوين الأخبار مجدداً في يوليو/تموز 2024، ليس بسبب إطلالة إعلامية، بل بسبب وفاة غامضة أعلنت عنها الرئاسة السورية على أنها “حادث سير أليم”. لكن الروايات المتضاربة والظروف المحيطة بالحادث أعادت طرح السؤال الأهم: ما هي القصة الكاملة لـ “الشبل”، وماذا كان الثمن الحقيقي لجلوسها في “أحضان الأسد“؟
1. الشبل في “الجزيرة”: وجه إعلامي فاتن
وُلدت لونا الشبل في السويداء بسوريا عام 1975. بدأت مسيرتها الإعلامية في التلفزيون السوري، لكن نقطة التحول الكبرى كانت في أغسطس/آب 2003 عندما انتقلت للعمل في قناة “الجزيرة” القطرية.
في الدوحة، لمع نجم الشبل كإعلامية محترفة، واكتسبت خبرة واسعة في العمل التلفزيوني الاحترافي، لتصبح واحدة من الوجوه المألوفة على الشاشة العربية. كانت “الجزيرة” في ذلك الوقت تمثل قمة الإعلام العربي المستقل، أو هكذا كان يُنظر إليها.
لكن مع اندلاع الثورة في سوريا عام 2011، اتخذت الشبل قراراً مفاجئاً ومثيراً للجدل. ففي ديسمبر/كانون الأول 2011، ظهرت على قناة “الدنيا” السورية الخاصة لتعلن أنها استقالت من “الجزيرة” في مايو/أيار 2010، وأنها تضع “خبراتها” تحت تصرف النظام السوري. كان هذا الإعلان بمثابة قطع كامل للجسر مع ماضيها الإعلامي، وبداية مرحلة جديدة في حياتها السياسية.
2. الانتقال إلى “أحضان الأسد”: تحول جذري
بعد عودتها إلى دمشق، لم تكتفِ لونا الشبل بالدعم الإعلامي من الخارج. بل سرعان ما دخلت إلى قلب السلطة.
- البداية الأمنية: بدأت عملها في مكتب الأمن الوطني، قبل أن تنتقل إلى القصر الرئاسي في فبراير/شباط 2012.
- المستشارة النافذة: عُينت مستشارة إعلامية، ثم مستشارة خاصة في رئاسة الجمهورية في نوفمبر/تشرين الثاني 2020.
- النفوذ والسيطرة: يصفها المقربون بأنها كانت “داهية”، حيث استطاعت خلال فترة وجيزة السيطرة على المكتب الإعلامي للرئاسة، وتجاوزت شخصيات تقليدية مثل بثينة شعبان، وأصبحت تتحكم بنوعية التغطية الإعلامية المحلية.
كانت علاقة الشبل مع بشار الأسد مباشرة وقوية، كما كانت تتمتع بعلاقة متينة مع رجل الأمن القوي علي مملوك. هذا النفوذ المزدوج منحها قوة استثنائية داخل القصر، محوّلاً إياها من إعلامية إلى صانعة قرار ومُهندسة لإطلالات الرئيس الإعلامية.
3. ثمن النفوذ: صراع القصر والمال والاتهامات
النفوذ في أروقة السلطة السورية لم يأتِ مجاناً، بل كان له ثمن متعدد الأوجه:
صراع القصر الداخلي
بدأت الشبل في إبعاد المقربين من الأسد، واقتربت من السيدة الأولى أسماء الأسد، حتى أصبحت عضواً في مجلس أمناء جامعة “المنارة” الخاصة. لكن هذا التقارب لم يدم طويلاً. فمع مطلع عام 2023، بدأت أسماء الأسد عملية “تحجيم ممنهجة” ضد الشبل، خاصة بعد أن بدأت الشبل تُبدي طموحاً شخصياً غير مقبول في أوساط القصر.
الثراء المفاجئ والتحول الاقتصادي
تزامن صعود الشبل مع ظهور ثراء لافت عليها وعلى عائلتها. فقد تحدثت لمقربين عن شراء عقارات بقيمة 8 ملايين دولار في دبي. وتأسيس مطعم روسي فاخر في دمشق باسم “ناش كراي” . هذا التحول من موظفة حكومية إلى سيدة أعمال ثرية أثار تساؤلات حول مصدر ثروتها، خاصة وأنها بدأت تُبث أقاويل عن تحكم “الست أسماء” بمفاصل الاقتصاد السوري.
اتهامات “التجسس” والخلاف مع الحلفاء
ربما كان الثمن السياسي هو الأخطر. ففي أوساط النظام وحلفائه الإيرانيين، بدأت تظهر اتهامات بأن الشبل تعمل “جاسوسة لصالح إسرائيل”. هذه الاتهامات جاءت في سياق كانت فيه الشبل وشقيقها ملهم. (الذي كان يشغل منصباً حساساً في مركز البحوث العلمية) يجاهران بكرههما لإيران و”حزب الله”.
4. النهاية الغامضة: حادث سير أم تصفية؟
في 2 يوليو/تموز 2024، تعرضت لونا الشبل لحادث سير على طريق الديماس، وتوفيت متأثرة بإصابتها في 6 يوليو 1 4. الرواية الرسمية كانت مقتضبة وتحدثت عن “حادث سير أليم” 4.
لكن الروايات غير الرسمية، التي نقلتها مصادر مقربة، رسمت صورة مختلفة وأكثر قتامة:
- شكل الحادث: أشارت تقارير إلى أن سيارتها المصفحة من طراز “بي إم دبليو” لم تظهر عليها آثار أذى كبير. مما يتناقض مع وصف “الحادث الأليم”.
- رواية الاعتداء: تحدث شهود عيان عن اقتراب سيارة أخرى وضربها. ثم هجوم شخص مجهول عليها وضربها في مؤخرة الرأس، مما أدى إلى شلل كامل ثم الوفاة.
- اعتقال المرافق: تم اعتقال مرافقها فور محاولته الحديث عما جرى، مما زاد من الشكوك حول طبيعة الحادث.
- اختفاء الشقيق: سبق وفاتها اعتقال شقيقها ملهم الشبل وزوجته في أبريل/نيسان 2024، وسط إشاعات بأنهما كانا يعملان لصالح إسرائيل.
لقد كانت جنازة الشبل متواضعة، وحضرها عدد محدود من المسؤولين. مما عزز الاعتقاد بأن نهايتها لم تكن طبيعية، بل كانت نتيجة لتصفية داخلية مرتبطة بصراعات النفوذ والأمن.
لونا الشبل.. ضحية القصر أم ثمن الموقف؟
إن قصة لونا الشبل هي دراسة حالة عن الطبيعة القاسية للسلطة في الأنظمة المغلقة. لقد انتقلت من “الجزيرة” التي تمثل إعلاماً مفتوحاً (مهما كانت توجهاته)، إلى “أحضان الأسد” التي تمثل مركزاً مغلقاً للقرار. وفي هذا الانتقال، نالت نفوذاً لم تحلم به، لكنها دفعت ثمنه من استقرارها، وربما حياتها.
سواء كانت وفاتها حادثاً مأساوياً أو تصفية مدبرة، فإنها تظل تذكيراً بأن الاقتراب من مركز السلطة المطلقة. خاصة في أوقات الأزمات، يحمل معه مخاطر لا يمكن التنبؤ بها.
يبقى السؤال مفتوحاً: هل كانت لونا الشبل ضحية صراع القصر. أم أنها دفعت ثمن خيارها بالانخراط في لعبة النفوذ حتى النهاية؟