نشرت مجلة “نيوزويك” الأميركية تحليلاً تناولت فيه التعقيدات الميدانية التي تكتنف إعلان واشنطن فرض حصار بحري شامل على الموانئ الإيرانية، وخلصت إلى أن المهمة تقترب من “الاستحالة” في ظل عقيدة طهران العسكرية غير التقليدية.
أوضح التحليل أن المشكلة لا تكمن في حجم القدرات العسكرية الأميركية الضخمة، بل في طبيعة المسرح الذي تسعى للعمل فيه. فعرض مضيق هرمز لا يتجاوز 20 ميلاً في أضيق نقاطه، مما يضع الممرات الملاحية الحيوية تحت مرمى الوسائل الدفاعية والهجومية الإيرانية معاً.
وفي هذا الحيز المائي الضيق، لا تحتاج طهران إلى أساطيل عملاقة لفرض نفوذها، بل يكفيها الانتشار الذكي والقدرة العالية على المناورة.
عقيدة “التعطيل” لا “الهزيمة“
أشارت المجلة إلى أن جوهر التحدي يكمن في العقيدة العسكرية الإيرانية ذاتها، والتي تخلت منذ عقود عن فكرة المواجهة التقليدية المباشرة مع القوى الكبرى. وبدلاً من محاولة مجاراة الأساطيل البحرية المتطورة، طورت إيران نموذجاً قتالياً يقوم على مبدأ “تعطيل الخصم” لا “هزيمته”.
ويعتمد هذا النموذج على مزيج فتاك من الزوارق السريعة، والصواريخ الساحلية، والطائرات المسيرة، إلى جانب الألغام البحرية، وهي أدوات منخفضة التكلفة لكنها عالية التأثير في بيئة حساسة كالمضيق.
الألغام البحرية.. سلاح الشلل النفسي والاقتصادي
ضمن هذا السياق، تبرز الألغام البحرية كأحد أكثر الأسلحة تعقيداً. فبحسب التحليل، لا تنبع خطورتها من قدرتها التدميرية المباشرة فحسب، بل من أثرها النفسي والاقتصادي المدمر.
فمجرد الاشتباه بوجود ألغام في المياه كفيل بشل حركة الملاحة الدولية، نظراً لما تتطلبه عمليات الكشف والإزالة من وقت طويل وجهد هائل ومخاطر مرتفعة. وهنا يتحول التهديد إلى أداة شلل غير مباشر توقف حركة السفن حتى دون استخدام فعلي للقوة.
زوارق سريعة ومسيّرات مائية.. تهديد يستنزف السيطرة
لا يقل دور الزوارق السريعة أهمية، فهي تشكل عماد العمليات غير التقليدية لقوة البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني. هذه الزوارق الصغيرة عالية السرعة يصعب رصدها أو تعقبها، وتستطيع الظهور والاختفاء وسط زحام السفن المدنية، مما يمنحها قدرة استثنائية على تنفيذ هجمات مباغتة أو عمليات تحرش مستمرة تستنزف أي قوة تحاول فرض سيطرة كاملة.
ونقل التحليل عن فرزين نديمي، الباحث المتخصص في الشأن الإيراني بمعهد واشنطن، قوله إن أكثر من 60% من زوارق الهجوم السريع التابعة للحرس الثوري لا تزال سليمة رغم أسابيع من الضربات الأميركية، ولا تزال تشكل تهديداً خطيراً للملاحة.
طهران لا تحتاج للانتصار.. يكفيها رفع كلفة المخاطر
تخلص “نيوزويك” إلى مفارقة استراتيجية بارزة، وهي أن إيران لا تحتاج إلى تحقيق نصر عسكري في مواجهة بحرية تقليدية. فكل ما تحتاجه هو رفع مستوى المخاطر إلى الحد الذي يجعل استمرار الملاحة التجارية قراراً باهظ التكلفة.
وفي ظل هذه الظروف، قد توقف شركات الشحن وشركات التأمين الكبرى عملياتها تلقائياً، وهو ما يحقق هدف طهران الاستراتيجي دون الحاجة إلى فرض حصار فعلي بالمفهوم التقليدي.
سيطرة كاملة.. هدف صعب المنال
تؤكد المجلة أن أي محاولة لفرض حصار بحري فعال ستتطلب وجوداً عسكرياً أميركياً دائماً ومكثفاً على مقربة من السواحل الإيرانية، وهو التزام يحمل في طياته أعباء لوجستية ومالية ضخمة، فضلاً عن مخاطر التصعيد المستمرة.
وحتى في ظل هذا الانتشار الواسع، تبقى احتمالات الهجمات المفاجئة أو عمليات التعطيل الخاطفة قائمة بقوة، مما يعني أن السيطرة الكاملة على الممر المائي تظل هدفاً بعيد المنال.
وتخلص الصحيفة إلى أن صعوبة فرض الحصار لا تنبع من توازن القوى التقليدي، بل من اختلاف قواعد اللعبة نفسها، حيث تواجه القوة العسكرية التقليدية تهديداً غير تقليدي مدعوماً بجغرافيا معقدة وخبرة طويلة في الحروب غير المتناظرة.