وجد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر نفسه محاصراً بموجة تمرد غير مسبوقة داخل حزبه، بعدما تحولت الخسائر المدوية في الانتخابات المحلية إلى أزمة بقاء تهدد مستقبله السياسي برمته.
وأظهرت التقديرات أن أكثر من 72 نائباً عمالياً، بينهم وزراء وشخصيات بارزة في الحكومة، طالبوا ستارمر بالتنحي عن رئاسة الحزب والبلاد، في مشهد يعكس اتساع الهوة بين القيادة والقاعدة بعد أقل من عامين على فوز ساحق في الانتخابات العامة.
وسعى ستارمر إلى احتواء الغضب المتفاقم عبر خطاب ألقاه الإثنين، تعهد فيه بالتركيز على الأمن القومي والهجرة وتحسين العلاقات مع أوروبا، وأقر بوجود “متشككين” داخل صفوفه وتحمل مسؤولية الأداء الضعيف في الانتخابات المحلية.
لكن الخطاب فشل في تهدئة العاصفة، إذ تلته استقالات فورية لعدد من مساعدي الوزراء، فيما اعتبر محللون في مجموعة “أوراسيا” الاستشارية أن محاولته لإخماد التمرد “فشلت”، مؤكدين أنه ما يزال “يقاتل من أجل بقائه السياسي” مع ارتفاع احتمالات الإطاحة به إلى 80%.
ولم تنشأ الأزمة من فراغ، بل تراكمت على مدى أشهر نتيجة ثلاثة ملفات رئيسية: الفشل في الحد من الهجرة غير الشرعية عبر بحر المانش، وخطط تقليص الإنفاق الاجتماعي التي أثارت غضب القاعدة الانتخابية، وسلسلة من التراجعات الحكومية عن قرارات سابقة رسخت صورة حكومة مترددة.
وجاءت الانتخابات المحلية لتكشف عن حجم الكارثة الانتخابية، حيث خسر الحزب السيطرة على أكثر من 30 مجلساً محلياً ونحو 1500 مقعد لصالح “حزب ريفورم” اليميني وحزب الخضر من الجهة اليسارية.
وامتدت تداعيات الأزمة السياسية بسرعة إلى الأسواق المالية، حيث قفزت عوائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات إلى نحو 5%، وصعدت عوائد السندات لأجل 30 عاماً إلى 5.67%، في أعلى مستوياتها منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008.
وحذر محللون في “دويتشه بنك” من أن المستثمرين يخشون أن يؤدي وصول زعيم جديد إلى تخفيف القيود المالية وزيادة الاقتراض الحكومي، مما قد يضغط على المالية العامة ويزيد من حدة التضخم.
وبينما لم يظهر حتى الآن منافس مستعد لإطلاق تحدي رسمي ضد ستارمر، بدأت أسماء مثل نائبته السابقة أنجيلا راينر ووزير الصحة ويس ستريتنغ وعمدة مانشستر آندي بورنهام تتردد بقوة كمرشحين محتملين لخلافته.
ويواجه ستارمر الآن خيارين صعبين: إما خوض معركة بقاء سياسية قد تستنزف حكومته بالكامل، أو القبول بترتيب انتقال منظم للسلطة داخل الحزب، في وقت لا يزال يرفض فيه الاستقالة ويؤكد أنه لن “يغرق البلاد في الفوضى”.
