تتصاعد التكهنات حول التحول الجذري في الاستراتيجية الإيرانية عقب الموجة الأخيرة من الضربات الإسرائيلية والأميركية على منشآتها النووية، حيث تشير تقديرات خبراء إلى أن طهران باتت تنظر إلى امتلاك السلاح النووي ليس كخيار ترفي، بل كضرورة وجودية لضمان بقاء النظام في وجه التهديدات المستقبلية.
ويأتي هذا التقييم في وقت تستمر فيه خيوط الاتصال الدبلوماسية بين طهران وواشنطن لاستكشاف إمكانية التوصل إلى اتفاق نووي جديد، رغم الهوة المتسعة في الرؤى.
في هذا السياق، يرى البروفيسور إيال زيسر، خبير شؤون الشرق الأوسط في جامعة تل أبيب، أن المعادلة قد تغيرت جذرياً داخل أروقة القرار الإيراني.
ويشير إلى أن المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي كان قد أصدر فتوى دينية تحرّم إنتاج القنبلة الذرية، وهو ما شكل لسنوات غطاءً قانونياً ودينياً للموقف الرسمي، رغم الجدل الداخلي الذي دار خلال العقد الماضي حول ضرورة مراجعة هذا الحكم.
ويؤكد زيسر أنه مع رحيل خامنئي، سقطت إلزامية أحكامه، ليحل محله مرشد أكثر تشدداً، مدفوعاً برغبة في الانتقام لوالده وتأثراً عميقاً بتوجهات الحرس الثوري.
ونتيجة لذلك، انتقل النقاش حول الترسانة النووية من دهاليز السرية والكتمان إلى واجهة السياسة الرسمية المعلنة، مما يشير إلى استعداد النظام لمواءمة الفتاوى الدينية الجديدة مع التوجه الاستراتيجي نحو التصنيع النووي.
دروس من التاريخ: مصير القذافي وحسين مقابل حصانة كيم
ويعزو الخبراء هذا التحول إلى استخلاص طهران العبر من مصائر أنظمة إقليمية سابقة. فبحسب زيسر، فإن تخلي قادة مثل معمر القذافي في ليبيا وصدام حسين في العراق عن طموحاتهم النووية أو برامج أسلحتهم غير التقليدية، لم يحمِ أنظمة حكمهم من السقوط والانهيار أمام التدخلات الخارجية.
وفي المقابل، يُبرز الخبير نموذج الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الذي يمتلك ترسانة نووية فعلية، معتبراً أن هذا السلاح منحته “حصانة” دولية جعلت أي محاولة للإطاحة به أمراً مستحيلاً تقريباً. الرسالة التي وصلت للنخبة الإيرانية واضحة تماماً بعد تعرض بلادها لهجمات مباشرة خلال العام الماضي: “إذا أرادت إيران البقاء، فلا مفر من امتلاك سلاح نووي”.
فجوة في التفاوض: انتصار طهران مقابل حماسة واشنطن
وعلى صعيد المسار الدبلوماسي، يرسم زيسر صورة قاتمة لاحتمالات نجاح المفاوضات الحالية، مشيراً إلى تباين صارخ في مقاربة الطرفين.
ففي حين تبدو طهران متسلحة بـ”لامبالاة” وشعور داخلي بـ”الانتصار” المعنوي الناتج عن صمودها، تظهر واشنطن متلهفة بشكل غير مسبوق في العلاقات الدولية للتوصل إلى اتفاق “بأي ثمن”.
ويرى الخبير أن أي اتفاق يُطرح حالياً يصب في مصلحة طهران بشكل أساسي، إذ قد يكتفي الجانب الأميركي بالحصول على تأكيدات تصريحية من إيران بعدم توجهها لتصنيع أسلحة نووية، دون آليات ردع حقيقية.
وختم زيسر تحليله بانتقاد لاذع لقرار الولايات المتحدة الانسحاب من الاتفاق النووي الذي أبرمه الرئيس السابق باراك أوباما (خطة العمل الشاملة المشتركة).
واعتبر أن التمسك بذلك الاتفاق كان الخيار الأمثل، متسائلاً عن مصداقية التهديدات الأميركية الحالية: “لا يأخذ أحد اليوم على محمل الجد فكرة أن الولايات المتحدة قد تهاجم إيران مرة أخرى”، مضيفاً بسخرية مريرة: “بماذا تهددون إيران اليوم؟”، في إشارة إلى فقدان واشنطن لأوراق الضغط الفعالة التي كانت تمتلكها سابقاً.
