رغم سهولة الوصول إلى المعلومات الطبية عبر الإنترنت، تكشف مؤشرات حديثة أن كثيراً من أبناء الجيل “زد” باتوا أقل ارتباطاً بالرعاية الصحية المنتظمة، إذ يتجنب عدد كبير منهم إجراء الفحوص السنوية أو حتى امتلاك طبيب رعاية أولية، وهو ما يثير قلق المختصين بشأن تداعيات هذا السلوك على صحتهم مستقبلاً.
وأظهر مسح وطني أجراه المركز الطبي بجامعة ولاية أوهايو ويكسنر أن أقل من نصف الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً خضعوا لفحص صحي سنوي خلال العام الماضي، فيما لا يمتلك أكثر من ربع الشباب طبيباً يتابع حالتهم الصحية بشكل منتظم.
مخاطر تتراكم بصمت
ويرى أطباء أن تجاهل الفحوص الدورية لا ينعكس فقط على الحالة الصحية الحالية، بل قد يؤدي إلى ضياع فرص الكشف المبكر عن أمراض يمكن علاجها بسهولة في بداياتها.
وتحذر الدكتورة ليانا وين، أستاذة الطب السريري بجامعة جورج واشنطن، من أن الزيارة السنوية للطبيب تمثل حجر الأساس في الرعاية الوقائية، لأنها تساعد على تقييم عوامل الخطر، ومتابعة التاريخ الطبي، وبناء علاقة طويلة الأمد مع طبيب قادر على التعامل مع المشكلات الصحية الجسدية والنفسية قبل تفاقمها.
السرطان لم يعد مرض الكبار
ويأتي هذا القلق في وقت تشير فيه البيانات إلى تزايد معدلات الإصابة بسرطان القولون والمستقيم بين الفئات الأصغر سناً، حتى أصبح أحد أبرز أسباب الوفيات المرتبطة بالسرطان لدى الأشخاص دون سن الخمسين.
ودفع هذا الواقع الجهات الصحية إلى خفض العمر الموصى به لإجراء الفحص الروتيني للكشف عن سرطان القولون من 50 إلى 45 عاماً، مع إمكانية البدء في سن أصغر لدى من لديهم تاريخ عائلي يزيد من خطر الإصابة.
الرعاية العاجلة.. حل مؤقت
وكشف المسح أن أكثر من ثلث أبناء الجيل “زد” يفضلون التوجه إلى عيادات الرعاية العاجلة عند مواجهة مشكلات صحية غير طارئة، بدلاً من مراجعة طبيب رعاية أولية.
لكن خبراء يؤكدون أن هذه العيادات، رغم أهميتها في التعامل مع الحالات البسيطة، لا يمكن أن تحل محل المتابعة الطبية المستمرة، لأنها تركز على علاج المشكلة الحالية دون متابعة التاريخ الصحي للمريض أو الوقاية من الأمراض مستقبلاً.
علاقة قد تغيّر مسار العلاج
ويؤكد مختصون أن بناء علاقة ثقة بين الطبيب والمريض يعد من أهم عناصر الرعاية الصحية، لأنه يسهّل اكتشاف المشكلات المزمنة ومتابعتها قبل أن تتطور.
وتجسد تجربة الشابة الأميركية أوليفيا هول هذه الفكرة، إذ تنقلت بين سبعة أطباء خلال ست سنوات بسبب معاناتها من تسارع ضربات القلب، بينما كان معظمهم يعزو الأعراض إلى التوتر النفسي، قبل أن يشخص اختصاصي إصابتها بمتلازمة تسارع القلب الانتصابي الوضعي (POTS).
وتقول هول إن وجود طبيب يستمع للمريض ويتعامل بجدية مع شكواه كان كفيلاً بتجنيبها سنوات من المعاناة والشك في حالتها الصحية.
عقبات أمام الشباب
ولا يقتصر تراجع الإقبال على الرعاية الأولية على قلة الوعي، بل يرتبط أيضاً بعوامل عملية، أبرزها ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، وصعوبة فهم تغطية التأمين، إضافة إلى فقدان بعض الشباب التأمين الصحي بعد بلوغهم 26 عاماً أو انتقالهم إلى مدن جديدة دون العثور على طبيب يتابع حالتهم.
كما يواجه القطاع الصحي تحدياً متزايداً يتمثل في نقص أطباء الرعاية الأولية، إذ تشير تقديرات أميركية إلى احتمال وصول العجز إلى أكثر من 70 ألف طبيب بحلول عام 2038، ما يجعل الحصول على موعد أمراً أكثر صعوبة حتى لمن لديهم طبيب بالفعل.
ويجمع الأطباء على أن الرعاية الأولية لا تقتصر على علاج المرض، بل تهدف إلى الوقاية منه قبل ظهوره، عبر الفحوص الدورية، وتقييم عوامل الخطورة، والتنسيق مع الاختصاصيين عند الحاجة.
ويؤكد المختصون أن الالتزام بزيارة سنوية لطبيب الرعاية الأولية في مرحلة الشباب قد يكون من أبسط الخطوات، لكنه من أكثرها تأثيراً في الحفاظ على الصحة وتجنب أمراض قد لا تظهر أعراضها إلا بعد سنوات.
