تشهد منطقة الخليج تحولاً لافتاً في طبيعة المواجهة العسكرية، مع توجه إيران إلى استخدام طائرات مسيّرة موجهة عبر الألياف البصرية، في خطوة تهدف إلى تجاوز قدرات الحرب الإلكترونية التقليدية، وذلك بعد تعرض بنيتها التحتية الخاصة بالاتصالات والرصد على سواحلها الجنوبية والجنوبية الشرقية لأضرار كبيرة نتيجة الضربات الأميركية.
وبحسب مصادر غربية، فإن هذه المسيّرات لا تعتمد على الاتصالات اللاسلكية، ما يجعلها أقل عرضة للرصد أو التشويش، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى إعادة صياغة استراتيجيتها الدفاعية لمواجهة هذا التهديد المتطور.
تكتيكات أميركية جديدة
وتشير المصادر إلى أن واشنطن تتبنى حالياً استراتيجية تقوم على استهداف منصات الإطلاق والمشغلين قبل تنفيذ الهجمات، إلى جانب توسيع استخدام أسلحة الطاقة الموجهة، مثل الليزر عالي الطاقة وأنظمة الميكروويف، لتعطيل كاميرات التوجيه أو إتلاف مكونات المسيّرات أثناء تحليقها.
وفي الوقت نفسه، تعمل البحرية الأميركية على تطوير أنظمة الرصد المثبتة على سفنها، مع التركيز على المستشعرات البصرية والحرارية القادرة على تعقب الأثر الحراري للمحركات الصغيرة، بدلاً من الاعتماد بشكل رئيسي على الرادارات التقليدية.
تقنية تتجاوز الحرب الإلكترونية
وتستند المسيّرات الموجهة بالألياف البصرية إلى آلية تشغيل مختلفة عن الطائرات المسيّرة التقليدية، إذ ترتبط بمنصة الإطلاق أو بالمشغل عبر كابل دقيق وعالي المتانة يمتد خلفها أثناء الطيران، ما يسمح بنقل أوامر التحكم من دون الحاجة إلى إرسال أو استقبال إشارات لاسلكية.
وتؤكد المصادر أن هذه التقنية تحرم أنظمة الحرب الإلكترونية من أهم أدواتها، إذ لا تصدر المسيّرة أي بصمة إلكترونية يمكن رصدها أو التشويش عليها، كما يصعب اعتراض مسار التحكم أو اختراقه إلكترونياً.
خبرات أوكرانيا تنتقل إلى الخليج
وتفيد تقارير صادرة عن مراكز أبحاث عسكرية في واشنطن، من بينها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، بأن إيران استفادت من الخبرات الروسية في الحرب الأوكرانية، حيث أثبتت المسيّرات الموجهة بالألياف البصرية كفاءة كبيرة في تجاوز البيئات المشبعة بأنظمة التشويش الإلكتروني، قبل أن يتم نقل هذه الخبرات إلى برامج التصنيع العسكري الإيرانية.
مضيق هرمز يمنح السلاح أفضلية إضافية
ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء المتقاعد هشام أحمد أن الخصائص الجغرافية لمضيق هرمز تمنح هذا النوع من المسيّرات قيمة عملياتية استثنائية، موضحاً أن ضيق الممر الملاحي يضع معظم خطوط الملاحة الدولية ضمن نطاق عمل هذه الطائرات.
وأوضح، في تصريح لـ”إرم نيوز”، أن خطورة هذه المسيّرات لا ترتبط فقط بحجم رؤوسها المتفجرة، بل بالدقة العالية التي تمكنها من استهداف مواقع حساسة في السفن وناقلات النفط، مثل غرف المحركات وأنظمة القيادة، بما قد يؤدي إلى تعطيلها وإحداث تأثير مباشر على حركة التجارة وإمدادات الطاقة العالمية.
تحديات أمام الدفاعات التقليدية
وتشير تقييمات صادرة عن مؤسسة “راند” إلى أن أنظمة الدفاع الحالية على السفن الحربية صُممت أساساً للتعامل مع الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تعتمد على الاتصالات اللاسلكية أو تمتلك بصمة رادارية واضحة.
أما المسيّرات الموجهة بالألياف البصرية، والتي تُصنع غالباً من مواد مركبة منخفضة البصمة الرادارية، فتتمتع بقدرة أكبر على التخفي، كما أن تحليقها على ارتفاعات منخفضة جداً فوق سطح البحر يقلص زمن الإنذار، ويمنح طواقم السفن ثوانٍ معدودة فقط لاتخاذ إجراءات الدفاع.
ولهذا السبب، تتجه الولايات المتحدة إلى تعزيز الاعتماد على تقنيات الليزر، إلى جانب تنفيذ ضربات استباقية تستهدف فرق الإطلاق والمشغلين قبل بدء الهجوم.
قواعد اشتباك جديدة
وتشير المعطيات إلى أن الانتشار المتزايد لهذا النوع من المسيّرات يفرض إعادة تقييم شاملة لأساليب الدفاع في المنطقة، إذ لم يعد استهداف شبكات الاتصالات والرادارات كافياً للحد من الخطر، في ظل اعتماد المسيّرات على وسائل توجيه لا تحتاج إلى الاتصال اللاسلكي.
وبناءً على ذلك، بات التركيز يتجه نحو رصد منصات الإطلاق وتعقب المشغلين على الأرض، باعتبار أن إحباط الهجوم قبل انطلاق المسيّرة أصبح الخيار الأكثر فاعلية في مواجهة هذا التطور التقني الذي يعيد رسم ملامح الصراع في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
