تغيرت النظرة الاجتماعية للسلع المستعملة في المنطقة العربية جذرياً، متحولة من علامة تدل على الضيق المالي إلى مؤشر على الذكاء الاستثماري والوعي البيئي. ولم تعد هذه السلع خياراً ثانوياً، بل أصبحت محوراً رئيسياً في اقتصاد الرفاهية العالمي، حيث تتصدر الحقائب والساعات النادرة قوائم المزادات الكبرى.
وتجسد هذه التحولة في بيع حقيبة “بيركن” من إنتاج “هيرمس” مطلع الشهر الجاري مقابل 10 ملايين دولار، رغم وجود آثار استخدام عليها، مما يؤكد أن القيمة المعنوية والندرة تفوقان حالة المنتج الجديدة في معادلة المستهلك الحديث.
وسجلت سوق السلع الفاخرة المستعملة نمواً بنسبة 7% خلال عام 2024، لتتجاوز قيمتها 50 مليار دولار، وفقاً لتقديرات شركة “باين آند كومباني”. ويتفوق هذا المعدل على وتيرة نمو سوق السلع الفاخرة الجديدة، مما يعكس زخماً عالمياً غير مسبوق.
وفي الشرق الأوسط، يقود أبناء الجيل “زد” هذا التوجه، مدفوعين برغبتهم في اقتناء قطع حصرية بأسعار معقولة، وكسر الصورة النمطية المرتبطة بالمنتجات “المستخدمة”، معتبرين إياها فرصة للتنوع والاستدامة دون المساس بالأناقة.
دوافع الشراء: السعر والاستثمار والندرة
كشف تقرير لمجموعة “شلهوب” صدر في ديسمبر 2023، أن دوافع المستهلكين في دول مجلس التعاون الخليجي لشراء السلع المستعملة تتوزع بين البحث عن أسعار معقولة (43%)، والقيمة الاستثمارية (42%)، والحصول على إصدارات نادرة (40%).
وتتركز الطلبات بشكل أساسي على الحقائب (20%)، تليها الساعات (18%) والمجوهرات (16%). كما يلجأ البعض لهذه السوق لتجاوز قوائم الانتظار الطويلة والشروط الصارمة التي تفرضها دور الأزياء الحصرية، حيث قد يدفع المشترون أضعاف السعر الأصلي لضمان الحصول على القطعة المطلوبة فوراً.
الاستدامة كعامل جذب رئيسي
تلعب الاعتبارات البيئية دوراً محورياً في تعزيز شعبية هذا القطاع، خاصة مع تصنيف صناعة الأزياء كأحد أكبر الملوثات عالمياً. ويظهر اختيار القطع القديمة التزاماً بالاستدامة، مما يمنح المستهلكين شعوراً بالمسؤولية الاجتماعية والتقدمية.
ورغم أن الاستدامة تحتل المرتبة التاسعة فقط ضمن أولويات المستهلكين في الخليج عند اختيار العلامات الفاخرة، مقارنة بـ65% في الولايات المتحدة الذين يراعون التزام الدور بالاستدامة، إلا أن الوعي يتصاعد تدريجياً، خاصة بين الأجيال الشابة التي تدمج السلوك المسؤول بيئياً مع الرغبة في التجديد المستمر للإطلالات.
أرقام واعدة في سوق الخليج
تشهد منطقة الخليج نمواً متسارعاً في هذا القطاع، إذ تقدر قيمة سوق إعادة بيع السلع الفاخرة فيها بأكثر من 500 مليون دولار، مع توقعات بنمو سنوي يتراوح بين 10% و15%.
ومن المتوقع أن يصل حجم السوق إلى ما بين 760 و780 مليون دولار بحلول عام 2026. وتعزز هذا النمو منصات رقمية إقليمية مثل “The Luxury Closet” في دبي، التي سجلت ارتفاعاً في المبيعات بنسبة 25% خلال 2024، وتصدرت الإمارات قائمة المبيعات تليها الولايات المتحدة والسعودية. كما سجلت منصة “Amused” السعودية نمواً سنوياً تجاوز 50%، مع معدلات احتفاظ عالية بالعملاء.
آليات التحقق وضمان الأصالة
تعتمد ثقة المستهلك في هذه السوق على إجراءات صارمة للتحقق من أصالة المنتجات. وتبدأ العملية بتقييم القطعة من قبل خبراء يحددون سعرها بناءً على العلامة التجارية والحالة والندرة.
وتخضع السلع لسلسلة فحوصات دقيقة تشمل التدقيق في الخياطة، الأختام، الأجزاء المعدنية، والملصقات الهولوغرافية. وتستخدم منصات عالمية مثل “Vestiaire Collective” أدوات متطورة كالأشعة فوق البنفسجية والعدسات المكبرة، بعد تدريب موظفيها لأكثر من 750 ساعة.
كما تتجه المنصات نحو دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي والبلوكتشين لمواجهة تطور أساليب التزوير، في سوق تقدر منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية حجم السلع المقلدة فيها بنحو 467 مليار دولار globally.
تحديات الثقافة والثقة
رغم النمو، تواجه السوق تحديات تتعلق بالوصمة الثقافية لا سيما لدى جيل الألفية، والقدرة الشرائية المرتفعة في الخليج التي تقلل من الحاجة للشراء المستعمل. كما يشكل الخوف من التزوير عائقاً رئيسياً، رغم جهود المنصات في ضمان الأصالة بنسبة 100% وكفالات مدى الحياة.
وتضاف إلى ذلك تعقيدات الشحن والجمارك في الدول العربية خارج الخليج، وغياب معايير موحدة للتسعير يؤدي لتفاوت الأسعار. ولا يزال مفهوم الاستدامة ناشئاً نسبياً في المنطقة مقارنة بالغرب، مما يتطلب جهوداً تثقيفية مستمرة لترسيخ الثقة والوعي لدى المستهلك.
,كانت دور الأزياء الكبرى مثل “شانيل” و”لويس فويتون” و”هيرمس” تنظر بسلبية للسوق الثانوية خشية التأثير على مبيعات الجديد وصورة الحصرية. لكن المشهد تغير مؤخراً، حيث بدأت علامات مرموقة مثل “رولكس” في إطلاق برامج رسمية لإعادة البيع.
كما أبرمت منصات مثل “Vestiaire Collective” شراكات مع علامات تجارية كـ”ألكسندر ماكوين” و”مولبري”، في خطوة تهدف إلى السيطرة على هذه القناة التسويقية المتنامية وجذب شرائح أوسع من العملاء تحت مظلة الضمان الرسمي للعلامة الأم.
