في كوريا الجنوبية، ومع دخول الحظر الوطني على تجارة لحوم الكلاب مراحله الأخيرة، تحوّلت أيام “بوك نال” الثلاثة، التي تُعد الأكثر حرارة في الصيف، من موسم ذروة تقليدي لمطاعم لحوم الكلاب إلى مناسبة تحمل نبرة وداع حزينة لهذه الممارسة التي ظلت قائمة لقرون.
ففي سوق موران بمدينة سيونجنام، أحد أبرز معاقل تجارة لحوم الكلاب قرب العاصمة سول، بدت الأزقة التي كانت تكتظ في مثل هذه الأيام بالزبائن الباحثين عن “بوسينتانج” أو حساء لحم الكلب، أقل ازدحامًا وأكثر هدوءًا، فيما تحوّلت مطاعم كثيرة إلى تقديم أطباق بديلة مثل يخنة لحم الماعز الأسود.
وقال كيم يونج بوك، رئيس جمعية تجار سوق موران، الذي أمضى أكثر من أربعين عامًا في السوق: “المشهد أصبح كئيبًا للغاية الآن. ما كان في السابق مركزًا تجاريًا نابضًا بالحياة تحول إلى بلدة عجائز”، في إشارة إلى تراجع الإقبال على لحوم الكلاب بين الأجيال الشابة.
ويأتي هذا المشهد قبل أشهر من دخول الحظر الوطني حيز التنفيذ الكامل في فبراير 2027، بعد أن أقر البرلمان الكوري الجنوبي في يناير 2024 قانونًا يحظر تربية الكلاب وذبحها وتوزيعها وبيعها للاستهلاك البشري، في خطوة تاريخية أنهت جدلاً طويلاً حول هذه الممارسة المثيرة للجدل.
ويمنح القانون فترة سماح مدتها ثلاث سنوات، تنتهي العام المقبل، مع فرض عقوبات صارمة على المخالفين تصل إلى السجن ثلاث سنوات أو غرامة قدرها 30 مليون وون (نحو 22 ألف دولار).
وتعهدت السلطات بتقديم دعم مالي ولوجستي للمربين وأصحاب المطاعم المتضررين لمساعدتهم على التحول إلى أنشطة تجارية أخرى.
ويعكس التشريع تحولاً عميقًا في الرأي العام الكوري، إذ أظهر استطلاع للرأي أُجري قبل إقرار القانون أن أكثر من 90% من المشاركين لا يعتزمون تناول لحوم الكلاب مستقبلاً، بينما أيد أكثر من 80% فرض الحظر. كما أفاد نحو 95% بأنهم لم يتناولوا لحوم الكلاب خلال العام السابق للاستطلاع.
وتشير بيانات حكومية إلى أن التشريع طال أكثر من 5600 منشأة تجارية، في وقت قال فيه مسؤولون إن معظم مزارع الكلاب أغلقت أبوابها قبل الموعد النهائي.
ويرى مراقبون أن الحملة لإنهاء تجارة لحوم الكلاب اكتسبت زخمًا كبيرًا في عهد الرئيس المعزول يون سوك يول وزوجته السيدة الأولى السابقة كيم كون هي، التي عُرفت بدفاعها العلني عن حقوق الحيوان ودعمها للتشريع.
ورغم تأييده للحظر، لم يستطع لي كانج تشون، صاحب مطعم والرئيس السابق لجمعية التجار، إخفاء مشاعر متباينة تجاه هذا التحول. وقال لي، الذي أمضى 37 عامًا في المهنة، إنه يعتقد أن إنهاء استهلاك لحوم الكلاب “قرار صائب لصورة كوريا الجنوبية عالميًا وتغير المواقف الاجتماعية”، لكنه اعترف بأنه يشعر بالحزن عندما يرى زبائنه من كبار السن، وكثير منهم في السبعينيات والثمانينيات، يقطعون مسافات طويلة بحثًا عن وجبة تقليدية لم تعد متوفرة.
وأضاف: “عندما أرى كبار السن يأتون من أماكن بعيدة ثم يغادرون لأن لحم الكلاب لم يعد متوفرًا، تكاد تغلبني الدموع”.
وطالب لي السلطات بتقديم مزيد من الدعم للباعة المسنين لمساعدتهم على التحول إلى أنشطة تجارية جديدة، مشيرًا إلى أن التحول إلى أطباق بديلة مثل يخنة لحم الماعز الأسود، التي يُروَّج لها كطعام صحي تقليدي، لم يعوض بالكامل خسائر مبيعات لحوم الكلاب.
وكان تناول لحم الكلاب يُنظر إليه سابقًا في كوريا الجنوبية كوسيلة لتعزيز القدرة على تحمل حرارة الصيف الرطبة، غير أن هذه الممارسة تراجعت بشكل حاد في السنوات الأخيرة، خصوصًا مع تزايد ثقافة تربية الكلاب كحيوانات أليفة وارتفاع الانتقادات الدولية لأساليب الذبح القاسية التي تشمل الضرب والشنق والصعق بالكهرباء.
