أعادت حادثة وفاة بريسلي غيربر، البالغ من العمر 27 عاماً ونجل عارضة الأزياء العالمية سيندي كروفورد ورجل الأعمال راندي غيربر، فتح النقاش حول المعارك النفسية الصامتة التي يخوضها أبناء الشخصيات العامة.
وعثرت السلطات على الشاب ميتاً داخل أحد مراكز إعادة التأهيل في مدينة لوس أنجلوس، وتحقق الشرطة في الواقعة كجرعة زائدة مشتبه بها، لتطوي الحادثة المأساوية سنوات من معاناته العلنية مع الاضطرابات النفسية ومحاولات التعافي المستمرة.
وأثارت هذه النهاية تساؤلات عميقة حول أسباب تصدر أبناء الأثرياء والنجوم لقوائم ضحايا الاكتئاب الحاد والنزعات الانتحارية، بعيداً عن الصورة النمطية التي تحصر حياتهم في الامتيازات اللامحدودة والفرص الذهبية.
أزمة الهوية وضريبة الشهرة
وتواجه هذه الفئة تحديات نفسية شديدة التعقيد ترتبط بمكانة أسرهم، وتوضح المعالجة النفسية جوانا أبو شقرا في تصريحات لـ”إرم نيوز” أن هؤلاء الشباب يعانون من أزمة هوية تجعل من الصعب عليهم بناء شخصية مستقلة بعيداً عن الحضور الطاغي للآباء.
وتتفاقم هذه الأزمة تحت وطأة المقارنة المستمرة والشعور القهري بضرورة تحقيق نجاح يوازي أو يتفوق على إنجازات الوالدين. وتضيف أبو شقرا أن هذه البيئة تخلق تقديراً مشروطاً للذات، يربط قيمة الفرد بنجاحاته ورضا المحيطين به فقط، ويدفعه نحو كمالية مرهقة وضغط نفسي مفرط خوفاً من التسبب في خيبة أمل لعائلته والمجتمع.
فقدان الخصوصية والعزلة الانفعالية
وتتعدد العوامل التي تعمق هذا الاستنزاف النفسي، وتشير أبو شقرا إلى فقدان الخصوصية الناتج عن التعرض الدائم للرقابة والنقد، إلى جانب الوحدة النفسية التي تتجسد في عدم الشعور بالانتماء الحقيقي رغم اتساع دائرة المعارف.
وتترافق هذه المشاعر مع الخوف من الرفض وفقدان القبول بمجرد الاختلاف، والإحساس المستمر بعدم الكفاية، وتؤدي التراكمات في نهاية المطاف إلى سيطرة مشاعر خانقة من اليأس والاحتجاز النفسي على حياة الشاب.
مفارقة الامتياز ومتلازمة الطفل المترف
وتتطابق هذه القراءات النفسية مع بيانات دراسات أكاديمية متخصصة في علم النفس الاجتماعي والنمو، أبرزها أبحاث موسعة أشرفت عليها الدكتورة سونيا لوثار، الباحثة السابقة في جامعتي كولومبيا وتيمبل، حول ما يعرف بمصطلح “مفارقة الامتياز”.
وسجلت الدراسات معدلات إصابة بالاكتئاب الحاد واضطرابات القلق وتعاطي المخدرات بين المراهقين والشباب في الأوساط الثرية وذات النفوذ تفوق نظيراتها لدى أقرانهم من الطبقات المتوسطة بضعفين إلى ثلاثة أضعاف.
وأرجعت الأبحاث هذا الخلل إلى ثنائية مدمرة تجمع بين التوقعات الخانقة المفروضة لتحقيق التميز، وعزلة انفعالية ناتجة عن انشغال الوالدين بشبكات العلاقات والتزامات الشهرة، وتحرم الطفل من السند العاطفي الآمن.
شلل نفسي وحلول تبدأ من المنزل
ويتقاطع هذا الواقع مع ما يتناوله أطباء نفسيون وكتاب متخصصون تحت اسم “متلازمة الطفل المترف”، ويؤدي الإفراط في توفير المتطلبات المادية وغياب التحديات اليومية الطبيعية إلى إضعاف المناعة النفسية للأبناء وتراجع قدرتهم على تحمل الإحباطات أو التعامل مع مشاعر الفشل الحياتي.
وتؤكد نظريات بناء الشخصية حاجة الشباب إلى مساحة للتجربة والخطأ لتأسيس استقلاليتهم، غير أن العيش تحت الهيمنة الرمزية لآباء بلغوا ذروة المجد يسبب شللاً نفسياً ناجماً عن المقارنة الصامتة، ويدفع نحو الإدمان أو سلوكيات إيذاء النفس كهروب يائس من عبء توقعات مجتمعية وأسرية لا ترحم.
ويجمع خبراء الصحة النفسية على أن مواجهة هذه الأزمة تنطلق من داخل المنزل، عبر توفير بيئة تمنح الأبناء الأمان ليكونوا ذواتهم المستقلة بمحاولاتها البسيطة وعيوبها، والتخلي عن تحويلهم إلى نسخ مثالية مكررة تقتات على أمجاد عائلاتها.
