تعود محادثات أبوظبي الثلاثية إلى الواجهة بعدما أكدت روسيا وأوكرانيا أن جولة تفاوض جديدة بمشاركة الولايات المتحدة ستُعقد في العاصمة الإماراتية خلال النصف الأول من نوفمبر الجاري. وهذه أول جولة يُعلن عنها منذ توقف المفاوضات في وقت سابق من هذا العام. ويأتي الإعلان في توقيت مزدحم: الأميركيون يصوّتون اليوم في انتخابات التجديد النصفي، والحرب على إيران ما زالت ترفع أسعار الطاقة، والغرب منقسم على طريقة التعامل مع موسكو. وفي ظل هذا كله، تبقى أبوظبي من العواصم القليلة التي تقبلها الأطراف الثلاثة مكانًا للحوار.
من التعثر إلى موعد في أبوظبي
جاء تأكيد موعد الجولة يوم 23 أكتوبر، بعد أيام من زيارة المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف إلى سانت بطرسبرغ ولقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وكانت موسكو قد لمّحت بعد تلك الزيارة إلى استعدادها للعودة إلى طاولة التفاوض.
ولم تأتِ الإمارات إلى هذا الملف من فراغ، فقد أعلنت في السنوات الماضية، عبر وكالة أنباء الإمارات (وام)، عن نجاح وساطات عدة لتبادل الأسرى بين موسكو وكييف. وبنت بذلك رصيدًا من الثقة لدى الطرفين، وحافظت في الوقت نفسه على قنوات مفتوحة مع واشنطن والعواصم الأوروبية.
ماذا قال المسؤولون عن محادثات أبوظبي الثلاثية؟
قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف للصحفيين إن الجولة المقبلة “مقررة في النصف الأول من نوفمبر في أبوظبي”، وإنها “ستُعقد بصيغة ثلاثية”. وفي اليوم نفسه، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أمام معهد هدسون في واشنطن إنه تحدث مع ويتكوف بعد لقائه بوتين. وأوضح أن المفاوضات الفنية ستجري في النصف الأول من نوفمبر “وفي أقرب وقت ممكن”.
لكن زيلينسكي حذّر من أن الكثير يتوقف على موسكو، وذكّر بأن اجتماعًا مماثلًا كان متوقعًا في أكتوبر ولم يُعقد. وأكد أن أي اتفاق سلام يحتاج إلى ضمانات أمنية قوية لأوكرانيا وإلى تمويل يكفي للإنفاق على الجيش الأوكراني عشر سنوات، وطالب بإشراك أوروبا في المحادثات.
أما بوتين فقال في مقابلة تلفزيونية إن أي محادثات ثلاثية يجب أن تركز على ترتيبات أمنية طويلة الأمد تمهد لاتفاق سلام نهائي، لا على هدنة “قصيرة”. وما زالت موسكو، وفق ما هو معلن، تطالب بأن تتنازل أوكرانيا عن أجزاء واسعة من أراضيها وأن تتعهد بعدم الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي.
والقراءة المتأنية لهذه التصريحات تبيّن أن الطرفين اتفقا على المكان والصيغة، لكنهما لم يتفقا بعد على جدول الأعمال. فكييف تريد البدء بالمسار الفني والضمانات الأمنية، وموسكو تريد الذهاب مباشرة إلى “التسوية النهائية” بشروطها. وقبول الطرفين بأبوظبي مكانًا للقاء رغم هذا الخلاف دليل على أن الإمارات تُعامل وسيطًا موثوقًا، لا طرفًا منحازًا.
لماذا أبوظبي ولماذا الآن؟
تعكس الجولة المقبلة تغيرًا في موازين القوى داخل المعسكر الغربي. فالعلاقة بين كييف وأطراف في الإدارة الأميركية تمر بتوتر متزايد، في حين تظهر مؤشرات على تحسن العلاقة بين الرئيس دونالد ترامب وبوتين. وقد انتقد ترامب استهداف أوكرانيا للبنية التحتية الروسية للطاقة، وقدّم لموسكو تنازلات مهمة في مساعيه الدبلوماسية الأخيرة. ويرتبط ذلك بالحرب على إيران وما سببته من ارتفاع في أسعار الطاقة أضرّ بشعبيته قبل الانتخابات.
وبحسب ما رصدته صحيفة فايننشال تايمز، ينقسم الغرب إلى ثلاثة معسكرات في التعامل مع بوتين. فواشنطن تدفع نحو صفقة تتضمن تنازلات، ودول أوروبية تطالب بحوار مباشر مع موسكو. وفي هذا المشهد المنقسم، يصعب أن تستضيف المحادثات عاصمة أوروبية أو عاصمة قريبة من أحد الطرفين، فتزداد الحاجة إلى مكان محايد مثل أبوظبي.
ومصلحة الإمارات في هذا الدور واضحة في تقديرنا. فهي تعزز مكانتها مركزًا عالميًا للدبلوماسية، كما عزّزت مكانتها مركزًا للاستثمار والتكنولوجيا. ففي الثاني من نوفمبر أفادت وكالة بلومبرغ بأن شركة أوبن إيه آي وقّعت اتفاقات لنشر تقنياتها لدى شركات طاقة ومؤسسات استثمارية وجهات حكومية في الإمارات، بعد محادثات أجراها رئيسها التنفيذي سام ألتمان مع سمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، وفق بيان المكتب الإعلامي لأبوظبي. وتستضيف أبوظبي أيضًا الاجتماعات السنوية لحكومة الإمارات يومي 9 و10 نوفمبر، بحسب ما أعلنه وزير شؤون مجلس الوزراء محمد القرقاوي لوكالة وام. فالدبلوماسية والاقتصاد والتكنولوجيا تعمل هنا معًا، وكل منها يعزز صورة الدولة طرفًا موثوقًا يتعامل مع الجميع.
الانعكاسات على المنطقة العربية
تهم هذه الجولة المنطقة العربية مباشرة. فالحرب في أوكرانيا أثّرت منذ بدايتها في أسواق الحبوب والطاقة التي تعتمد عليها اقتصادات عربية كثيرة، وأي تقدم، ولو محدودًا، قد يخفف جانبًا من هذه الضغوط في وقت تشهد فيه أسواق الطاقة اضطرابًا بسبب الحرب على إيران وتوتر الممرات البحرية. وقد تناولنا هذا الجانب في ملف معركة هرمز على حق رسم الخريطة.
والأهم أن الجولة تؤكد اتجاهًا أوسع: عواصم الخليج تتحول إلى مراكز لإدارة أزمات العالم. فالرياض حاضرة بقوة في نقاشات أمن الملاحة، كما يظهر في تغطيتنا لاجتماعات مجموعة العشرين في أتلانتا. وتجري في المنطقة أيضًا وساطات في ملفات أخرى، مثل مسار التفاوض بين إيران والولايات المتحدة. وهذا التوزيع للأدوار يمنح المنطقة العربية حضورًا أكبر في النظام الدولي، بعد أن كانت لعقود ساحة تتأثر بالأزمات ولا تشارك في حلها.
سيناريوهات جولة أبوظبي ومؤشرات ترجيحها
السيناريو الأول: انعقاد الجولة بنتائج فنية محدودة
هذا هو السيناريو الأرجح في تقديرنا. تُعقد المحادثات في موعدها، وتركز على ملفات فنية وإنسانية، مثل تبادل الأسرى أو التفاهم على تجنب ضرب منشآت الطاقة، دون اختراق في قضايا الأرض والضمانات. ومن مؤشراته: إعلان أسماء الوفود وموعد محدد، وصدور بيانات من الأطراف الثلاثة تتحدث عن “أجواء بنّاءة”، واستمرار الحديث الأوكراني عن “المفاوضات الفنية”.
السيناريو الثاني: تأجيل جديد
يتكرر ما حدث في أكتوبر، حين كان لقاء مماثل متوقعًا ولم يُعقد. ومن مؤشراته: تصعيد ميداني كبير، أو ضربات جديدة على البنية التحتية للطاقة، أو انشغال واشنطن بالجبهة الإيرانية، أو تراجع اهتمام البيت الأبيض بالملف إذا جاءت نتائج انتخابات التجديد النصفي على غير ما يريد.
السيناريو الثالث: إطار تفاوضي أوسع
هذا السيناريو أقل احتمالًا، لكنه ممكن. تخرج الجولة بإطار مبادئ يربط الترتيبات الأمنية طويلة الأمد التي يطلبها بوتين بالضمانات التي يطالب بها زيلينسكي، وتُستأنف بعدها جولات منتظمة في أبوظبي. ومن مؤشراته: إشراك أوروبا بصورة ما، كما طالبت كييف، وتلميحات روسية إلى مرونة في شروط الأرض والحلف الأطلسي.
لا تَعِد محادثات أبوظبي الثلاثية بسلام قريب، فالخلافات بين موسكو وكييف ما زالت عميقة. لكن أهميتها تكمن في أنها تعيد إطلاق المسار التفاوضي بعد توقف، وفي مكان تثق به الأطراف الثلاثة. وبالنسبة للإمارات، فنجاح الجولة أو حتى انعقادها وحده يضيف إلى رصيد دبلوماسيتها ويرسخ صورتها عاصمة يلتقي فيها المتخاصمون. أما الحكم على النتائج فمرهون بالأيام المقبلة: هل تصل الوفود في الموعد؟ وهل تختار واشنطن، بعد انتخابات اليوم، أن تواصل هذا المسار حتى نهايته؟
