ثمانية مقاعد عربية، وسبعة مقاعد حريدية صامتة، وموعد في الحادي عشر من نوفمبر قد يُغلق أطول فصل في السياسة الإسرائيلية الحديثة
مفارقة مكتب الرئيس
في مقر الرئاسة الإسرائيلية بالقدس يجري هذا الأسبوع مشهد لم يتخيله كثيرون قبل عام واحد. رؤساء الكتل يدخلون تباعًا على الرئيس إسحاق هرتسوغ ليقول كل منهم اسم من يريده رئيسًا للحكومة. وحين انتهى اليوم الثاني من المشاورات كانت الكفة مائلة على نحو لافت: ستة وخمسون نائبًا يوصون بغادي آيزنكوت، رئيس أركان الجيش الأسبق وزعيم حزب “يَشار”، مقابل ستة وأربعين لبنيامين نتنياهو.
المفارقة الأولى أن نتنياهو خرج من انتخابات السابع والعشرين من أكتوبر وحزبه، الليكود، صاحب الكتلة الأكبر في الكنيست بسبعة وعشرين مقعدًا، ومعسكره اليميني الديني متقدم على خصومه بثلاثة وخمسين مقعدًا مقابل ثمانية وأربعين. والمفارقة الثانية، وهي الأعمق، أن الثمانية التي قد تمنح آيزنكوت التفوق جاءت من حزب “القائمة العربية الموحدة” (راعام) بزعامة منصور عباس.
هنا تكمن أطروحة هذا المقال: إسرائيل لا تعيش أزمة تشكيل حكومة عادية، بل لحظة انكشاف لمعادلة حكمتها منذ عقدين، معادلة تقول إن اليمين يحكم لأن العرب خارج الحساب. وحين يدخل العرب الحساب، تتغير قواعد اللعبة كلها.
صناديق مزدحمة ونتيجة معلّقة
لم تكن هذه انتخابات فاترة. فقد بلغت نسبة المشاركة نحو 78 في المئة، وهي الأعلى منذ عام 1999 بحسب نتائج لجنة الانتخابات المركزية. شعب أنهكته الحروب وتعاقب الأزمات قرر أن يقول كلمته بكثافة، لكن الكلمة جاءت منقسمة على نفسها: لا معسكر يبلغ عتبة الواحد والستين مقعدًا وحده، والأحزاب العربية مجتمعة، القائمة المشتركة وراعام، حصدت تسعة عشر مقعدًا خارج الكتلتين.
رد نتنياهو كان متوقعًا من سياسي خبر كل أدوات البقاء. فقد شكك في نزاهة العملية، قبل أن ترد لجنة الانتخابات بأنه لا أساس لادعاءات سرقة الانتخابات، ثم حذّر من أن حكومة تضم أحزابًا عربية ستكون خطرًا، وقال في خطابه إنها “ستعرّض إسرائيل للخطر”. الحجة ذاتها استخدمها في 2021 حين أطاحه تحالف نفتالي بينيت ويائير لابيد بدعم من عباس نفسه، ثم عاد بعد عام ونصف. لكن السياق اليوم مختلف جذريًا.
خيانة الحلفاء: سؤال التجنيد
الضربة الأقسى لم تأتِ من خصوم نتنياهو، بل من أقرب حلفائه. فقد امتنع حزب “يهدوت هتوراه” الحريدي، بمقاعده السبعة، عن التوصية بأي مرشح، بتعليمات من مرجعياته الدينية، احتجاجًا على عجز نتنياهو عن تمرير قانون يحصّن إعفاء طلاب المدارس الدينية من الخدمة العسكرية.
هذا التفصيل يختزل مأزق نتنياهو كله. فبعد سنوات من الحروب المتلاحقة واستدعاء مئات الآلاف من جنود الاحتياط، صار إعفاء الحريديم من التجنيد جرحًا اجتماعيًا مفتوحًا لا يستطيع أي رئيس حكومة تجاهله. نتنياهو لم يستطع أن يعطي حلفاءه ما يريدون دون أن يخسر الشارع، ولم يستطع أن يمنعه عنهم دون أن يخسرهم. وحين يتحول الحليف إلى ممتنع، يتحول الزعيم إلى رهينة.
في المقابل، يجعل آيزنكوت من تجنيد الحريديم أولوية مركزية، وهو ما يعقد أي تفاهم معهم، وإن كان هو وحلفاؤه لم يستبعدوا التعاون مؤخرًا. أما تقارير الأسبوع الماضي عن احتمال دعم الحزب الحريدي لحكومة أقلية بقيادة آيزنكوت من خارجها، فتكشف أن السياسة الإسرائيلية دخلت طور البراغماتية القصوى، حيث لا عداوة دائمة ولا تحالف مقدس.
ماذا يعني ذلك لنا؟
السؤال الذي يعني القارئ العربي والخليجي ليس من سيجلس في مكتب رئيس الوزراء، بل ما الذي سيتغير فعلًا. والجواب الصادق: أقل مما يتمنى المتفائلون، وأكثر مما يقول المتشائمون.
أقل، لأن آيزنكوت ابن المؤسسة الأمنية، ولن يحمل مشروع سلام جاهزًا. والمعارضة التي يقودها تضم أطيافًا من اليمين القومي، مثل أفيغدور ليبرمان ونفتالي بينيت، لا تختلف كثيرًا عن نتنياهو في الملفات الكبرى. لكنه أكثر، لأن حكومة تقوم على أصوات نواب عرب لا تستطيع أن تحكم بمنطق الإقصاء ذاته، ولا أن تمنح اليمين الاستيطاني المتطرف مفاتيح الوزارات الحساسة كما فعلت الحكومة السابقة. مجرد خروج إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش من مركز القرار قد يغير لغة التعامل مع غزة والضفة الغربية، ويعيد فتح نوافذ أغلقتها سنوات من التصعيد.
ثم إن المشهد الإسرائيلي لا يتحرك في فراغ. ففي واشنطن، خرج الديمقراطيون من انتخابات التجديد النصفي مسيطرين على مجلسي الكونغرس، ونائب الرئيس جيه دي فانس نفسه كتب أن “سبب خسارتنا هو الحرب”، مشيرًا إلى أن تغيير العلاقة مع إسرائيل كان من دوافع ناخبين تحولوا عن الجمهوريين. حين يتغير المزاج في العاصمة الحليفة الأولى، ويتغير الحاكم في إسرائيل، تتشكل نافذة نادرة لإعادة ترتيب الأولويات في الإقليم، من وقف الحرب إلى إعادة الإعمار إلى مسار الاستقرار الذي تراهن عليه دول الخليج.
هذه النافذة لا تفتح نفسها. هي تحتاج إلى دبلوماسية عربية نشطة تعرف كيف تخاطب حكومة إسرائيلية جديدة بشروط واضحة: أفق سياسي حقيقي للفلسطينيين، واحترام للقانون الدولي، وأمن إقليمي لا يقوم على الحرب الدائمة. والمنطقة جربت بما يكفي ثمن الفراغ.
الدرس الأبعد
أيًا كان الاسم الذي سيعلنه هرتسوغ قبل الحادي عشر من نوفمبر، فإن هذه الانتخابات كسرت قاعدة ظلت راسخة: أن المواطنين العرب في إسرائيل مجرد متفرجين على لعبة لا يشاركون في نتيجتها. اليوم، بات منصور عباس وزملاؤه طرفًا لا يمكن تشكيل حكومة مستقرة بدونه، وهذا وحده تحول سيبقى أثره أطول من عمر أي ائتلاف.
نتنياهو أتقن طوال مسيرته فن العودة من حافة الهاوية، ولا يزال يملك أوراقًا: الكتلة الأكبر، والقدرة على المناورة، واحتمال تفكك خصومه المتنافرين. لكن السياسي الذي بنى مجده على أنه الوحيد القادر على الحماية، يجد نفسه اليوم محاصرًا بحلفاء يطالبون بإعفاء أبنائهم من الحماية ذاتها.
في السياسة كما في التاريخ، لا تسقط العروش دائمًا بضربة خصم، بل أحيانًا بصمت حليف. وقد يكون صمت المقاعد الحريدية السبعة في مكتب هرتسوغ هذا الأسبوع أعلى صوت سمعه نتنياهو منذ عقود.
