قال السفير الإيراني لدى الهند محمد فتح علي لوكالة رويترز: “إيران لديها نفط وجاهزة لبيعه لمن يريد”.
مر التصريح بهدوء لافت وسط زخم التطورات الميدانية، لكنه فتح الباب أمام سؤال جوهري: كيف تمكنت طهران من مواصلة تصدير نفطها بل ورفع صادراتها إلى ما يقارب مليوني برميل يومياً، وهو أعلى مستوى تسجله منذ سنوات.
ويأتي هذا التصريح في وقت تتعرض فيه البلاد لحرب مدمرة استمرت أكثر من أربعين يوماً وغطت فيه الطائرات الحربية سماءها وانتشرت حاملات الطائرات والمدمرات في البحار المحيطة بها؟
أسطول الظل.. منظومة بحرية غير مرئية
ويعود تفسير هذه المفارقة إلى ما يعرف بـ”اقتصاد الظل”، وهو نظام لم تبنه طهران خلال الحرب الحالية أو حتى حرب يونيو الماضي، بل راكمته على مدى سنوات طويلة.
وتعتمد إيران في جوهر هذه المنظومة على شبكة عالمية من الناقلات تعرف بـ”أسطول الظل”، وهي سفن قديمة أو مجهولة الملكية تغير أسماءها وأعلامها باستمرار، وتطفئ أنظمة التتبع الإلكتروني أثناء إبحارها لتتفادى المراقبة الدولية.
ولا تكتفي هذه الناقلات بالنقل المباشر، بل تلجأ إلى تقنية نقل الشحنة من سفينة إلى أخرى في عرض البحر، مما يجعل تتبع المصدر الأصلي للنفط مهمة شبه مستحيلة.
غسيل النفط.. هوية جديدة لخام طهران
لا يباع النفط الإيراني على أنه “إيراني” في الأسواق العالمية، بل يتحول إلى نفط مجهول الهوية عبر عملية أشبه بـ”غسيل النفط”.
فبعد نقله بين السفن أو خلطه بكميات من خامات أخرى، يعاد تصنيفه على أنه نفط ماليزي أو عراقي أو من مصدر آخر، ثم يدخل الأسواق العالمية بشكل قانوني ظاهرياً.
ولا يقتصر هذا النشاط على المسار البحري فقط، بل يمتد إلى الطرق البرية عبر دول الجوار، وفي مقدمتها العراق الذي يشكل بوابة رئيسية لتصريف النفط الإيراني عبر شركات وهمية وشبكات تجارية معقدة يصعب اختراقها.
الصين تبتلع 90% من الصادرات الإيرانية
يحتاج النفط الإيراني إلى مشترٍ دائم، وهنا تبرز الصين كلاعب رئيسي لا غنى عنه. وتستهلك بكين نحو 16.4 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل 16 بالمئة من الاستهلاك العالمي، وتستقبل وحدها قرابة 90 بالمئة من صادرات النفط الإيراني.
وتتجه هذه الشحنات تحديداً إلى مصافي مستقلة صغيرة تعرف باسم “أباريق الشاي”، وهي منشآت لا تلتزم فعلياً بالعقوبات الأميركية وتشتري الخام الإيراني بأسعار مخفضة.
وهنا تظهر المفارقة: تصدير كميات أكبر ولكن بأرباح أقل، وهو ثمن المخاطرة السياسية الذي يدفعه البائع لصالح المشتري وشبكات الوسطاء المتعددة.
عملات مشفرة ومقايضات.. ثمن النفط بعيداً عن الدولار
كيف تتلقى طهران أثمان هذا النفط في ظل العقوبات المالية الخانقة؟ لجأت إيران إلى أدوات بديلة لتسوية المدفوعات، أبرزها العملات المشفرة التي توفر قدراً من السرية في التحويلات، إضافة إلى صفقات المقايضة التي يتم بموجبها تبادل النفط مقابل سلع وخدمات، مما يقلل الحاجة إلى الدولار ويبعد المعاملات عن أعين الرقابة الغربية.
رغم الضربات الجوية والتوترات الأمنية، لا تزال منشآت التصدير الرئيسية في جزيرة خارك تعمل وتضخ نحو 90 بالمئة من إجمالي النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية.
كما أن حركة الناقلات عبر مضيق هرمز لم تتوقف كلياً، مما يعني أن الحرب فشلت حتى الآن في خنق الشريان النفطي الإيراني بشكل تام.
ثمن البقاء.. أرباح تلتهمها الخصومات
ما فعلته إيران ليس مجرد عمليات تهريب منظمة وفقاً لمراقبين، بل بناء متكامل لمنظومة اقتصادية موازية تشمل أسطولاً بحرياً شبه خفي، وأسواقاً بديلة بقيادة الصين، وشبكة دولية من الوسطاء، وقدرة على تغيير هوية النفط نفسه.
غير أن هذه المنظومة تفرض على طهران ثمناً باهظاً يومياً، إذ يمر كل برميل تصدره عبر سلسلة من الخصومات القسرية والعمولات التي تلتهم جزءاً كبيراً من أرباحه.