أعادت دراسة علمية حديثة تشكيل الصورة التقليدية عن نساء الأسرة المالكة في مصر القديمة، بعدما توصلت إلى أدلة تشير إلى أن أميرات الأسرتين الثانية عشرة والثالثة عشرة لم يقتصر دورهن على المكانة الملكية والرمزية، بل مارسن استخدام الأسلحة والرماية بصورة فعلية، في اكتشاف يفتح باباً جديداً لفهم الحياة داخل البلاط الملكي قبل نحو أربعة آلاف عام.
واعتمدت الدراسة، المنشورة في مجلة Frontiers in Environmental Archaeology، على إعادة فحص رفات الملك “حور” وعدد من الأميرات المدفونات في منطقة دهشور، من بينهن “إيتا” و”خنمت” و”إيتاورت” و”نوب حتب”، إضافة إلى هيكل عظمي يُعتقد أنه يعود للأميرة “سات حتحور مريت”، باستخدام تقنيات حديثة شملت التحليل العظمي، والفحوص الإشعاعية، والدراسات الكيميائية لمواد التحنيط.
أدلة من داخل العظام
لم تكتف الدراسة بتوصيف الهياكل العظمية، بل سعت إلى إعادة بناء نمط حياة أصحابها، مستندة إلى مؤشرات بيولوجية تكشف طبيعة الأنشطة التي مارسوها وحالتهم الصحية وحتى الإصابات التي تعرضوا لها.
وأظهرت التحليلات تغيرات واضحة في عظام الذراعين واليدين والكتفين، إضافة إلى نمو ملحوظ في أماكن ارتباط العضلات وعدم تماثل بين الطرفين العلويين، وهي مؤشرات يربطها علماء الآثار الحيوية بممارسة الرماية واستخدام الأسلحة بشكل متكرر.
ويرى الباحثون أن هذه العلامات تنهي سنوات من الجدل بشأن الأسلحة التي عُثر عليها داخل مقابر الأميرات، والتي اعتُبرت طويلاً مجرد رموز للمكانة الاجتماعية أو للحماية في العالم الآخر، بينما تشير الأدلة الجديدة إلى أنها كانت أدوات استُخدمت بالفعل خلال حياتهن.
أميرات خارج الصورة النمطية
وقدمت الدراسة نماذج تدعم هذا الطرح، إذ أظهرت الأميرة “نوب حتب” تغيرات واضحة في الذراع اليمنى والساعد، تزامنت مع العثور على سهام داخل مقبرتها، فيما حملت عظام الأميرة “إيتا” آثاراً تدل على الاعتياد على استخدام الخناجر أو الصولجانات، بينما كشفت بقايا “خنمت” و”إيتاورت” عن مؤشرات تتوافق مع ممارسة الرماية بصورة منتظمة.
وتشير هذه النتائج إلى أن نساء الأسرة المالكة لم يقتصر حضورهن على الأدوار الاحتفالية، بل شاركن في أنشطة بدنية ومهارية قد تكون ارتبطت بمهام ذات طابع عسكري أو بطقوس خاصة بالنخبة الحاكمة.
إصابات تكشف مستوى الرعاية الطبية
كما سلطت الدراسة الضوء على الإصابات التي تعرض لها أفراد العائلة المالكة، والتي تبين أنها شُفيت قبل الوفاة بسنوات، ما يعكس مستوى متقدماً من الرعاية الطبية.
وأظهرت التحليلات أن الملك “حور” تعرض لكسر في إحدى عظام اليد وإصابة في الرأس التأمتا بالكامل، فيما سجلت الأميرة “إيتاورت” كسوراً ملتئمة في الأضلاع وإجهاداً في عظام القدم، بينما عانت “نوب حتب” من إصابة مرتبطة بالإجهاد في أحد المفاصل.
ويرى الباحثون أن طبيعة التئام هذه الإصابات وغياب أي تشوهات أو التهابات تدعم ما ورد في بردية إدوين سميث عن تطور المعرفة الطبية في مصر القديمة، وتقدم دليلاً مادياً نادراً على جودة الرعاية الصحية التي حظيت بها الطبقة الملكية.
أسرار جديدة عن التحنيط
وامتدت الدراسة إلى تحليل المواد المستخدمة في التحنيط عبر تقنية التحليل الطيفي بالأشعة تحت الحمراء، حيث تبين أن معظم المومياوات حُنطت بخليط من اللبان والعرعر، بينما اقتصرت مومياء الأميرة “إيتا” على راتنج العرعر.
ورجح الباحثون أن هذه المواد جرى استيرادها عبر شبكات التجارة المصرية القديمة مع بلاد بونت والنوبة والقرن الأفريقي، في مؤشر على قيمتها العالية واقتصار استخدامها تقريباً على أفراد النخبة الملكية.
قراءة جديدة لدور المرأة
من جانبه، اعتبر عالم المصريات ومدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، حسين عبد البصير، أن الدراسة تمثل نقلة نوعية في فهم الحياة داخل القصر الملكي، لأنها تتعامل مع الرفات البشرية باعتبارها سجلاً تاريخياً يكشف تفاصيل الحركة والصحة والتدريب والطقوس الجنائزية، وليس مجرد بقايا أثرية.
وأوضح أن الأدلة الجديدة تغير الفهم التقليدي للأسلحة التي عُثر عليها داخل مقابر الأميرات، إذ تشير إلى امتلاك بعضهن مهارات حقيقية في استخدام القوس وأدوات القتال، بدلاً من اعتبار تلك الأسلحة مجرد رموز للسلطة أو المكانة.
لكنه شدد في الوقت نفسه على أن النتائج لا تعني بالضرورة مشاركة الأميرات في الحروب، وإنما تؤكد خضوعهن لتدريبات أو ممارسات بدنية مرتبطة باستخدام السلاح، وهو ما يعكس صورة أكثر تعقيداً للمرأة داخل المجتمع الملكي.
العظام تروي التاريخ
ويرى عبد البصير أن أهمية الدراسة تتجاوز نتائجها المباشرة، إذ تعكس تطور علم المصريات الذي بات يعتمد على الأدلة البيولوجية إلى جانب النصوص والنقوش، ما يسمح بإعادة بناء تفاصيل الحياة اليومية للمصريين القدماء بدقة أكبر.
ويخلص إلى أن أبرز ما تكشفه هذه النتائج هو أن المرأة الملكية في مصر القديمة لم تكن شخصية هامشية، بل كانت جزءاً من منظومة السلطة والمهارة، وهو ما يفرض إعادة النظر في كثير من التصورات السائدة حول أدوارها داخل الدولة المصرية القديمة.
