تمر مفاوضات إيران وأميركا بأدق لحظاتها منذ وقف إطلاق النار في أبريل الماضي. فالمفاوضون الإيرانيون أمضوا ثلاثة أيام متتالية في الدوحة مع الوسطاء القطريين، في حين يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إقناع الرئيس دونالد ترامب بتوجيه ضربة جديدة إلى إيران فور انتهاء انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة الثلاثاء. وبين هذين المسارين تقف المنطقة أمام سؤال مباشر: هل تتحول الأيام التي تلي الانتخابات إلى نافذة لاتفاق، أم إلى بداية جولة حرب ثانية؟
- حرب لم تنتهِ وهدنة هشة
- ماذا قال المسؤولون؟ رسائل متناقضة تحت سقف الانتخابات
- لماذا يتباعد ترامب ونتنياهو؟
- الانعكاسات على المنطقة العربية
- سيناريوهات ما بعد الانتخابات الأميركية ومؤشراتها
- السيناريو الأول: اختراق تفاوضي محدود
- السيناريو الثاني: ضربات محدودة تحت سقف التفاوض
- السيناريو الثالث: تجدد الحرب الواسعة
- مفاوضات إيران وأميركا أمام اختبار الأسبوع
حرب لم تنتهِ وهدنة هشة
بدأت الحرب في 28 فبراير بضربات أميركية وإسرائيلية على إيران، وردّت طهران بهجمات صاروخية وبالمسيّرات في أنحاء المنطقة، ودخلت جماعات حليفة لها القتال في لبنان واليمن، بحسب وكالة فرانس برس. وقُتل المرشد السابق علي خامنئي في تلك الضربات أواخر فبراير، وخلفه نجله مجتبى خامنئي. ثم أُعلن وقف إطلاق النار في 8 أبريل، لكنه بقي هشًا وتخللته جولات تصعيد متكررة.
ومنذ اندلاع الحرب تقول إيران إنها تسيطر على مضيق هرمز، واستهدفت مرارًا سفنًا حاولت العبور دون إذن منها، بينما فرضت واشنطن حصارًا بحريًا مضادًا على الموانئ الإيرانية، وفق فرانس برس. وفي الصيف أنتج المسار الدبلوماسي «مذكرة تفاهم إسلام آباد» وجولات فنية غير مباشرة في الدوحة وصفتها الخارجية القطرية في يوليو بأنها حققت «تقدمًا إيجابيًا»، بحسب شبكة سي إن إن. غير أن الخلاف بقي عالقًا حول ملفين: إدارة المضيق، ومصير مخزون اليورانيوم المخصب. وقد تناولنا في ملف سابق التنازع على خريطة مضيق هرمز بوصفه جوهر الصراع على من يرسم قواعد الملاحة.
ماذا قال المسؤولون؟ رسائل متناقضة تحت سقف الانتخابات
نقل موقع أكسيوس عن مسؤول أميركي وآخر إسرائيلي أن ترامب ونتنياهو بحثا السبت حالة المفاوضات، وأن نتنياهو ضغط من أجل ضرب إيران مباشرة بعد الانتخابات النصفية، في حين أبدى ترامب رغبته في ترك المفاوضات تأخذ مداها. ووصف المصدر الإسرائيلي المكالمة بأنها «صعبة»، بينما وصفها المصدر الأميركي بأنها «مباشرة».
أما ترامب نفسه فجمع بين التهدئة والتهديد. فقد كتب في وقت سابق من الشهر أن بلاده لن تهاجم إيران قبل الانتخابات، بحسب سي إن إن. ثم قال للصحفيين إن بلاده لا تزال مضطرة إلى التعامل مع «موقع أو موقعين»، مضيفًا: «يمكننا فعل ذلك في عشر دقائق»، وأشار إلى «جبل بيكاكس» الذي يُشتبه في أنه مجمع نووي تحت الأرض، وفق فرانس برس. وفي المقابل قال وزير الخارجية ماركو روبيو إن ترامب لم يقرر بعد ما إذا كان سيشن هجمات جديدة، لكنه يفضل الحل الدبلوماسي.
وفي طهران ارتفعت لهجة التحذير. فقد أصدر المرشد مجتبى خامنئي بيانًا يأمر فيه القوات المسلحة بالاستعداد للرد على أي هجوم، وقال المتحدث باسم الحرس الثوري حسين محبي إنه «في صراع مع أميركا لا توجد حدود جغرافية»، بحسب ما نقلته فرانس برس عن التلفزيون الرسمي. لكن الوجه الآخر للرسالة الإيرانية جاء دبلوماسيًا: إذ قال وزير الخارجية عباس عراقجي إن المحادثات تشهد تقدمًا، وإن طهران مستعدة «للدفاع والدبلوماسية على حد سواء»، وتحدث عن خطة يجري بحثها مع الوسطاء القطريين لإعادة فتح مضيق هرمز خلال يومين إذا قبلت واشنطن شروط طهران. وكشف أمين مجلس الأمن القومي محسن رضائي أنه تلقى رسالة من نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس تسعى إلى إحياء المحادثات المتعثرة، بحسب فرانس برس، وقال إن نبرة واشنطن فيها تغيّرت كليًا.
يكشف تزامن رسالة فانس وتسريبات المكالمة مع نتنياهو أن واشنطن تستخدم التهديد الإسرائيلي ورقةَ ضغط تفاوضية أكثر مما تستخدمه قرارًا محسومًا. أما طهران فتربط إعادة فتح المضيق بالشروط، ومعنى ذلك أنها تعرض هرمز ثمنًا للاتفاق لا تنازلًا مجانيًا. ولمزيد من التفاصيل حول الموقف الإيراني الأخير، يمكن العودة إلى تقريرنا عن تحذير خامنئي لواشنطن من هجوم جديد.
لماذا يتباعد ترامب ونتنياهو؟
الخلاف بين الحليفين ليس جديدًا. ففي مايو الماضي، أفادت سي إن إن بمكالمة متوترة رأى فيها نتنياهو أن تأجيل الضربات «خطأ»، وأن التأخير لا يخدم إلا الإيرانيين. وبعد ذلك أعلن ترامب وقف ضربات كانت مقررة، استجابةً لطلب قطر والسعودية والإمارات. وفي يونيو أقرّ ترامب، بحسب واشنطن بوست، بأنه وصف نتنياهو بـ«المجنون» في مكالمة، مبديًا انزعاجه من أن القتال في لبنان يعرقل محادثات السلام.
وفي قراءتنا، يبدو منطق ترامب اقتصاديًا وانتخابيًا في المقام الأول: إعادة فتح هرمز أمام تدفقات النفط والغاز، وتجنب حرب مفتوحة تهدد القوات الأميركية. وقد نقل أكسيوس في يوليو أن مسؤولين أميركيين باتوا يرون الضغط الاقتصادي أنجع من الضربات المتواصلة. أما نتنياهو فيخرج من انتخابات خسر فيها أغلبيته لكنه بقي في منصبه، وفق سي إن إن، والتشدد حيال إيران يظل أقوى أوراقه الداخلية في مرحلة تشكيل الحكومة.
ويرى حسن الحسن، الزميل الأول لسياسات الشرق الأوسط في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، أن واشنطن تغذي حالة القلق الإقليمي بإشاراتها المتكررة إلى تصعيد وشيك، مضيفًا في تصريح لسي إن إن أنه بات من الصعب التمييز بين تكتيكات الضغط والإشارات الحقيقية. وهذا الغموض بالذات هو أهم أدوات الإدارة الأميركية في التفاوض، وهو أيضًا أكبر مصادر خطر سوء التقدير.
الانعكاسات على المنطقة العربية
تتحمل الدول العربية العبء الأكبر من أي تصعيد. فقد أصاب الرد الإيراني في المرحلة الأشد من الحرب أهدافًا في أنحاء المنطقة، والتهديد الإيراني الأخير بأنه «لا حدود جغرافية» يعني عمليًا أن الخليج وممراته المائية في دائرة الخطر. وفي المقابل يتصدر الدور العربي مسار الحل: فقطر تستضيف المحادثات وتنسقها مع واشنطن، وشاركت مصر وسلطنة عمان وباكستان في جهود الوساطة، بحسب ما نقله أكسيوس. ويعكس تحذير القاهرة الأخير، الذي رصدناه في تقرير مصر تحذر من المنامة، إدراكًا عربيًا بأن أمن الخليج والملاحة مسألة تتجاوز الإقليم إلى الاقتصاد العالمي.
ومن أبرز الأفكار المطروحة، وفق تقارير وول ستريت جورنال وأكسيوس، إنشاء تجمع إقليمي يتولى أمن الملاحة والبحث والإنقاذ في المضيق، على غرار نموذج التعاون في مضيق ملقا. وإذا نضجت هذه الصيغة فقد تتحول من ترتيب أمني إلى إطار يمنح دول الخليج دورًا مؤسسيًا في إدارة الممر.
سيناريوهات ما بعد الانتخابات الأميركية ومؤشراتها
السيناريو الأول: اختراق تفاوضي محدود
يقوم على تفاهم مرحلي يعيد فتح هرمز مقابل تخفيف للحصار أو إفراج عن أموال إيرانية مجمدة. ومن مؤشراته: رد أميركي إيجابي على المقترح الإيراني، وانتقال المحادثات من المستوى الفني إلى المستوى الرفيع، وإعلان قطري عن جولة جديدة.
السيناريو الثاني: ضربات محدودة تحت سقف التفاوض
تنفذ واشنطن ضربة سريعة على «موقع أو موقعين» كما لمّح ترامب، ثم تعود إلى طاولة المفاوضات. ومن مؤشراته: تعثر الدوحة، وتصاعد التسريبات العسكرية، وزيادة الحشد الجوي الأميركي في إسرائيل. والخطر هنا أن طهران توعدت بأن تكون أي جولة جديدة أطول من سابقتها.
السيناريو الثالث: تجدد الحرب الواسعة
يبقى الأقل ترجيحًا في المدى القريب، لكنه يصبح ممكنًا إذا ردّت إيران على ضربة محدودة باستهداف الملاحة أو القواعد الأميركية، أو إذا تحركت إسرائيل منفردة. ومن مؤشراته: إغلاق كامل للمضيق، وانهيار قنوات الوساطة.
مفاوضات إيران وأميركا أمام اختبار الأسبوع
تكشف الوقائع الموثقة أن ترامب يفضل حتى الآن الصفقة على الحرب، وأن طهران تريد اتفاقًا بشروطها، وأن نتنياهو يسعى إلى تفويت فرصة الاتفاق قبل أن تنضج. ويمنح استمرار الوساطة القطرية، والانفتاح الذي حملته رسالة فانس، المسار الدبلوماسي أفضلية نسبية. لكن الغموض الأميركي المقصود وخطاب التعبئة الإيراني يُبقيان احتمال الانزلاق قائمًا. وما سيحسم الاتجاه هو أول قرار يتخذه البيت الأبيض بعد إغلاق صناديق الاقتراع.
