أفرزت الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في السابع والعشرين من أكتوبر برلمانًا معلّقًا لم يحسم فيه أي معسكر الأمر. فقد فاز تحالف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، المؤلف من أحزاب يمينية ويمينية متطرفة، بـ53 مقعدًا من مقاعد الكنيست البالغة 120، وبقي حزب الليكود أكبر الكتل بـ27 مقعدًا، بحسب النتائج النهائية الصادرة عن لجنة الانتخابات المركزية التي نقلتها فرانس برس. وحصل معسكر المعارضة بقيادة رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت على 48 مقعدًا، في حين نالت القائمتان العربيتان، القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة (راعم)، 19 مقعدًا مجتمعتين، وهو رقم قياسي. وتكتسب هذه النتيجة أهميتها لأنها تأتي بينما تبقى ملفات غزة ولبنان وإيران مفتوحة، فطريقة تشكيل الحكومة المقبلة ستحدد إلى حد بعيد طريقة إدارة إسرائيل لهذه الملفات.
- أول اقتراع بعد السابع من أكتوبر
- ماذا قال المسؤولون؟ وما تكشفه التصريحات
- المصالح وموازين القوى
- الانعكاسات على المنطقة العربية
- سيناريوهات تشكيل الحكومة ومؤشرات الترجيح
- السيناريو الأول: حكومة وحدة بقيادة نتنياهو
- السيناريو الثاني: حكومة للمعارضة بدعم عربي من الخارج
- السيناريو الثالث: انتخابات جديدة
- الانتخابات الإسرائيلية تفتح مرحلة انتظار
أول اقتراع بعد السابع من أكتوبر
هذه أول انتخابات عامة في إسرائيل منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023 والحرب التي تلته، ورأى فيها كثيرون استفتاءً على حكم نتنياهو. وتُظهر الأرقام أن ائتلافه تراجع من 68 مقعدًا في الكنيست المنتهية ولايته إلى 53، بحسب شبكة سي إن إن، أي أنه خسر 15 مقعدًا مقارنة بانتخابات 2022. ويحتاج أي معسكر إلى 61 مقعدًا لتشكيل حكومة، ولم يقترب أي منهما من هذا الرقم بمفرده.
والحساب واضح: إذا أُضيفت المقاعد العربية التسعة عشر إلى مقاعد المعارضة صار المجموع 67 مقعدًا، وهي أغلبية مريحة كما أشارت سي إن إن. لكن هذه الأغلبية تصطدم بعائق سياسي، إذ يوضح تقرير للإذاعة الوطنية الأميركية (NPR) أن آيزنكوت، المصنَّف في يمين الوسط، لا يستطيع الوصول إلى الأغلبية دون دعم الأحزاب ذات الغالبية العربية، وهو خيار استبعده حلفاؤه مرارًا خلال الحملة. وسيبقى نتنياهو رئيسًا لحكومة تصريف أعمال إلى أن تتشكل حكومة جديدة. ومن المنتظر أن يكلّف الرئيس إسحاق هرتسوغ أحد المرشحين بتشكيلها بعد المصادقة الرسمية على النتائج، وقد دعا الأحزاب إلى تجنب انتخابات جديدة، وفق ما أُعلن.
ماذا قال المسؤولون؟ وما تكشفه التصريحات
لم يعترف نتنياهو بالهزيمة. فقد قال إن معسكره يحظى بدعم «أغلبية حاسمة في أوساط الجمهور الصهيوني واليهودي»، ووصف الأحزاب العربية بأنها «معادية للصهيونية» ورفض العمل معها لتشكيل حكومة، وفق ما نقلته سي إن إن. وحصر الأغلبية في «الجمهور الصهيوني واليهودي» ليس مجرد لغة انتخابية، فهو يسعى عمليًا إلى إسقاط المقاعد العربية من حساب الشرعية السياسية.
ويتضح هذا التوجه أكثر في الاتهامات التي أطلقها معسكره. فبحسب سي إن إن، يتهم نتنياهو وحلفاؤه الأحزاب العربية بأنها «سرقت» الانتخابات عبر الرشوة والتمويل الأجنبي والتزوير، دون أن يقدموا أي دليل حتى الآن. ونقلت الشبكة عن مصدر مقرب من نتنياهو أن هدفه الأول بعد الانتخابات هو نزع الشرعية عن أي تعاون سياسي يهودي عربي ومنع قيامه. ورفضت الأحزاب العربية وقطر هذه الاتهامات، بحسب فرانس برس.
وتحاول المؤسسات الرسمية الحد من التوتر. فقد أعلن جهاز الأمن العام (الشاباك) أنه يحقق في مخالفات مشتبه بها، لكنه شدد على أن التحقيق لا يهدف إلى توجيه الاتهام إلى قطاع كامل شارك في التصويت بطريقة ديمقراطية وقانونية. وقال دين ليفنه، القائم بأعمال المدير العام للجنة الانتخابات، إن أي حديث عن مشكلات واسعة النطاق «لا أساس له على الإطلاق»، وفق فرانس برس.
أما آيزنكوت فقال إن أمامه «أيامًا طويلة من العمل» من أجل «تشكيل حكومة صهيونية ملتزمة بالتجنيد العسكري»، بحسب سي إن إن. وتعبير «حكومة صهيونية» يطمئن قاعدته اليمينية الوسطية، لكنه يغلق في الوقت نفسه باب الشراكة الرسمية مع القائمتين العربيتين. وتبقى أمامه صيغة أخرى هي الدعم من خارج الحكومة. واتهم آيزنكوت نتنياهو بالسعي إلى الطعن في النتائج، وكذلك فعل زعيم حزب الديمقراطيين يائير غولان الذي قال إن نتنياهو «يحاول الطعن في نتائج الانتخابات».
المصالح وموازين القوى
يمكن فهم المشهد على ثلاثة مستويات. المستوى الأول أن نتنياهو، أطول رؤساء الحكومات بقاءً في المنصب، يحتفظ بأكبر كتلة برلمانية وبصفة رئيس حكومة تصريف الأعمال. وهذا يمنحه الوقت والقدرة على المناورة. أما التشكيك في شرعية الصوت العربي فيمكن أن يدفع بعض أطراف المعارضة إلى التراجع عن أي تفاهم مع القائمتين العربيتين.
المستوى الثاني هو التجربة السابقة، فالحكومة الوحيدة التي أطاحت نتنياهو، حكومة بينيت ولابيد عام 2021، ضمّت القائمة الموحدة وانهارت بعد نحو عام، كما تذكّر سي إن إن. وتدفع هذه التجربة آيزنكوت وحلفاءه إلى الحذر، لكنها تثبت أيضًا أن التعاون مع الأحزاب العربية ليس سابقة مستحيلة.
المستوى الثالث هو قراءة مراكز الأبحاث. فقد رأى عوفر شيلح، الباحث الأول في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، أن من غير المرجح أن تحكم المعارضة قريبًا، وأن أرجح السيناريوهات حكومة وحدة يقودها نتنياهو أو انتخابات جديدة، بحسب ما نقلته سي إن إن. وردّت الأسواق سريعًا، إذ تراجع الشيكل وانخفضت الأسهم والسندات مع ظهور النتائج، وفق رويترز.
الانعكاسات على المنطقة العربية
لنتائج الانتخابات الإسرائيلية أثر مباشر في ثلاثة ملفات إقليمية. الملف الأول إيران: شكر نتنياهو في خطاب ليلة الانتخابات الرئيس الأميركي دونالد ترامب على دعمه في الحرب مع إيران، وأشارت الإذاعة الوطنية الأميركية إلى تقارير عن استعدادات أميركية إسرائيلية محتملة لهجوم قد يقع بعد الانتخابات النصفية الأميركية. وحكومة تصريف الأعمال لا تخضع للمحاسبة البرلمانية المعتادة، وهو ما قد يغري بقرارات عسكرية كبرى في هذه الفترة. ويتقاطع ذلك مع مسار الدوحة التفاوضي بين طهران وواشنطن ومع تحذيرات المرشد الإيراني من هجوم جديد.
الملف الثاني غزة والضفة الغربية: تصف القائمة المشتركة تصويت الناخبين العرب بأنه رد على التحريض والترهيب ورفض لسياسات هدم المنازل والحرب. ودخول 19 نائبًا عربيًا معادلة تشكيل الحكومة يعني أن أي حكومة تعتمد على أصواتهم، ولو من خارجها، ستتعرض لضغط داخلي باتجاه التهدئة. أما حكومة يمينية خالصة فستميل إلى إبقاء النهج الحالي.
الملف الثالث مسارات التسوية والوساطة الإقليمية: تحتاج الوساطات العربية والدولية إلى شريك إسرائيلي مستقر قادر على الالتزام بما يتفق عليه. وطول فترة الفراغ الحكومي يعني تأجيل القرارات الكبرى، وهي فترة يعطيها كل طرف إقليمي تفسيرًا مختلفًا.
سيناريوهات تشكيل الحكومة ومؤشرات الترجيح
السيناريو الأول: حكومة وحدة بقيادة نتنياهو
يتحقق هذا السيناريو إذا قبل جزء من المعارضة الدخول في ائتلاف مع الليكود مقابل حقائب وزارية أو التزامات في ملف التجنيد. ومن مؤشراته تراجع حدة خطاب آيزنكوت تجاه نتنياهو، أو ظهور انقسامات داخل معسكر المعارضة. وهذا السيناريو هو الذي رجحه شيلح، وهو يعني على الأرجح استمرار السياسة الإقليمية الحالية مع بعض التعديلات.
السيناريو الثاني: حكومة للمعارضة بدعم عربي من الخارج
يتحقق هذا السيناريو بأن تشكل المعارضة حكومة أقلية تعتمد على تصويت القائمتين العربيتين دون مشاركتهما فيها. ومن مؤشراته نتائج الاجتماعات التي تعقدها المعارضة للمرة الأولى منذ الانتخابات، وموقف هرتسوغ في التكليف، ومصير تحقيق الشاباك. وإذا أغلق التحقيق دون إدانات تُذكر ضعفت حجة نتنياهو، وزادت فرص هذا السيناريو.
السيناريو الثالث: انتخابات جديدة
يبقى هذا الاحتمال قائمًا إذا فشلت المشاورات، ورجحه شيلح إلى جانب السيناريو الأول. ومن مؤشراته تصاعد مطالب في معسكر نتنياهو بإلغاء النتائج أو إعادة التصويت، وهي مطالب رصدتها سي إن إن. وإذا تحقق هذا السيناريو بقي نتنياهو في السلطة مدة أطول على رأس حكومة تصريف أعمال، وهي الحالة الأكثر غموضًا بالنسبة إلى المنطقة.
الانتخابات الإسرائيلية تفتح مرحلة انتظار
لم تُخرج الانتخابات الإسرائيلية نتنياهو من السلطة، لكنها جرّدته من الأغلبية التي حكم بها. وجعلت النتائج المواطنين العرب في إسرائيل رقمًا لا يمكن تجاهله في معادلة الحكم، رغم أن المعسكرين اليهوديين الرئيسيين يرفضان الشراكة معهم علنًا. وفي التقدير التحليلي، ستكون الأسابيع المقبلة صراعًا على الشرعية بقدر ما هي صراع على المقاعد. وعلى العواصم العربية أن تتابع أمرين: صيغة الحكومة التي ستتشكل، وما قد تتخذه حكومة تصريف الأعمال من قرارات قبل تشكيلها.
