يهدد شح إمدادات الديزل العالمي، الذي غذته نيران الحرب في الشرق الأوسط وأوكرانيا، بالتحول إلى أزمة طاقة خانقة مع اقتراب فصل الشتاء وارتفاع الطلب في نصف الكرة الشمالي.
وتسبب التوتر في مضيق هرمز والأضرار التي لحقت بمصافي الخليج، بالتزامن مع الهجمات الأوكرانية المتصاعدة على المنشآت الروسية، في تقييد الصادرات من مناطق كانت تستحوذ مجتمعة على نحو ثلث تجارة الديزل العالمية خلال العام الماضي.
أوروبا في قلب العاصفة
تبرز أوروبا باعتبارها الحلقة الأضعف في مواجهة شح الوقود، نظراً لمحدودية طاقتها التكريرية واعتمادها المهول على الواردات.
وصحيح أن مصافي الولايات المتحدة وآسيا ترفع من معدلات تشغيلها إلى أقصى حد، إلا أن تناقص المخزونات وارتفاع الطلب ينذران بضغوط متصاعدة في الأشهر المقبلة.
ويُعد الديزل وقوداً حيوياً للنقل والصناعة والتدفئة، وعادة ما يُسارع المشترون إلى تخزين كميات كبيرة منه قبيل انخفاض درجات الحرارة.
ويتضاعف القلق مع مؤشرات على اتجاه مولدات الكهرباء في آسيا لاستهلاك كميات إضافية من الديزل هذا العام، سعياً لتعويض العجز في إمدادات الغاز الطبيعي المسال المرتبط بحرب الشرق الأوسط.
وفي حال عدم تحقيق تقدم في أي من الصراعين الدائرين، يُتوقع أن تخفض مصافي آسيا وأميركا صادراتها مع اشتداد البرد لتغطية الطلب المحلي أولاً.
قفزة في الأسعار وأثر تضخمي يضرب الأسواق
يواصل الديزل تسجيل مكاسب سعرية تفوق النفط الخام بمراحل، إذ قفز سعره في بورصة “آي سي إي فيوتشرز يورب”، المقياس العالمي المرجعي، بنسبة 40% من أدنى مستوى له في 18 يونيو الماضي، بينما لم تتجاوز مكاسب خام برنت 5% في الفترة نفسها.
وقال يوجين ليندل، رئيس قسم المنتجات المكررة لدى شركة “إف جي إي نيكسانت”: “أوروبا أمام مشكلة هائلة في الديزل، والوضع سيزداد سوءاً مع توقع أسعار مرتفعة للغاية”، وهو ما سينعكس مباشرة على كلفة الشحن والتضخم والضغوط السياسية على الحكومات.
ويكتسب هذا الارتفاع أهميته من دور الديزل المحوري في قطاعات التشييد والنقل والصناعة، مما يُنذر بموجة تضخمية واسعة حتى لو بقيت أسعار النفط مستقرة نسبياً.
تراجع حاد في المخزونات الأوروبية
هوت مخزونات الديزل في مناطق الاستيراد الرئيسية دون متوسطاتها الموسمية خلال الأشهر القليلة الماضية، وتصدرت أوروبا المشهد بأسوأ انخفاض بلغ نحو 30% منذ نهاية مارس.
وتزيد العقوبات الغربية من حدة الأزمة، إذ أوضحت راشيل زيمبا، الزميلة في “مركز الأمن الأميركي الجديد”، أن القيود على شراء المنتجات الروسية المكررة ما تزال سارية، فيما تُشدد العقوبات الأوروبية الجديدة الخناق على واردات الوقود المصنع من خام روسي في دول ثالثة.
ضخت مصافي التكرير الأميركية الأسبوع الماضي كميات قياسية من وقود نواتج التقطير، وغالبيتها العظمى من الديزل، وكانت وجهة الجزء الأكبر منها إلى أوروبا. لكن استمرار هذه التدفقات بات مهدداً، إذ يرى زامير يوسف، رئيس تحليلات المنتجات النظيفة لدى “كبلر”، أن مصافي ساحل الخليج الأميركي لا تستطيع تصدير الديزل إلى شمال غرب أوروبا بلا نهاية، لأن أولوياتها المحلية تفرض نفسها، خاصة مع اقتراب موسم التدفئة الشتوية الذي يُحوّل الشحنات نحو ولايات الساحل الشرقي الأميركي.
ولا تبدو آسيا بدورها طوق نجاة لأوروبا، حيث ستضطر مصافيها، بحسب جون غوه من “سبارتا كوموديتيز”، إلى تلبية الطلب المحلي وإعطاء الأولوية للكيروسين المخصص للتدفئة في دول كاليابان، مما يقلص فائض الديزل القابل للتصدير.
أزمة تلوح في الأفق ورهانات مفتوحة
لا يزال موسم الشراء الرئيسي على بُعد أسابيع، ويعتمد مسار الأسعار على برودة الطقس لاحقاً وقدرة معدلات التشغيل المرتفعة عالمياً على كبح الضغوط، إضافة إلى عامل حاسم يتمثل في حجم صادرات الديزل الصينية خلال الأشهر المقبلة. ويكشف هذا الواقع هشاشة المناطق التي تفتقر إلى قدرات تكرير كافية في مواجهة صدمات الطاقة العالمية.
وتُرجح التقديرات أن تكون أوروبا الأكثر تضرراً مقارنة بأفريقيا وأميركا اللاتينية، إذ تتنافس المناطق الثلاث على شحنات الديزل القادمة من حوض الأطلسي.
وتختزل غوه من “سبارتا كوموديتيز” المشهد بقولها: “لم نتعافَ من خسائر التكرير في الشرق الأوسط، وأضفنا إليها خسائر الطاقات الروسية. معاناة أوروبا ليست أزمة فورية، بل أزمة تلوح في الأفق”.
