تشهد ملابس العمال التقليدية إقبالاً متصاعداً بين الموظفين الأميركيين العاملين في المكاتب، حيث تتصدر السترات العملية وسراويل الجيوب المتعددة والأحذية الثقيلة واجهات المتاجر الكبرى وعواصم الموضة.
وتأتي هذه الظاهرة، وفقاً لتقرير نشرته شبكة “سي إن إن”، في وقت تسجل فيه الوظائف اليدوية كالتصنيع والبناء والتعدين تراجعاً حاداً، إذ انخفضت نسبة العاملين فيها من 76 بالمئة من إجمالي القوى العاملة في الولايات المتحدة عام 1910 إلى 25 بالمئة فقط بحلول عام 2000، لتستمر أزياء هذه المهن في فرض حضورها القوي رغم تراجع الحاجة العملية إليها.
وتعود التصاميم الأساسية للعديد من القطع الرائجة اليوم إلى متطلبات القرن التاسع عشر، التي فرضت معايير صارمة كالراحة والمتانة ومقاومة التمزق.
وارتبط قماش الجينز، على سبيل المثال، بعمال المناجم في كاليفورنيا، قبل أن يشهد عام 1873 ابتكاراً مفصلياً بتسجيل براءة اختراع لاستخدام المسامير النحاسية الصغيرة في تدعيم الجيوب وتقوية الخياطة لمنع تمزقها، وهي تفاصيل وظيفية تحولت إلى سمة جمالية ثابتة في صناعة الأزياء.
وانسحب هذا الإرث العملي على علامات أخرى، حيث استلهمت أحذية “دكتور مارتنز” تصميمها من الأحذية العسكرية، في حين طُرحت سترات “باربور” الشمعية عام 1894 بهدف أساسي يتمثل في حماية العاملين في الملاحة البحرية والصيد من تسرب المياه.
من التمرد الفني إلى الانتشار العالمي
لعب الفنانون مطلع القرن العشرين دوراً بارزاً في إخراج هذه الملابس من بيئتها المهنية البحتة، حيث اعتمدوا الأفرولات والجينز تعبيراً عن الاستقلالية ومخالفة القواعد السائدة، وهو ما وثقته صورة شهيرة التقطت عام 1949 للفنان الأميركي جاكسون بولوك وهو يرتدي سترة عمل وجينزاً داخل مرسمه.
وتوسعت الرقعة الجغرافية لهذه الأزياء مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، إذ ارتدى الجنود الأميركيون في الخارج ملابس الدنيم التي وفرتها شركة “ليفايس”، والتي نالت حينها اعترافاً رسمياً من مجلس الإنتاج الحربي الأميركي. ومع انتهاء الحرب، تحول الجينز في أوروبا إلى رمز لتمرد الشباب، مدعوماً بأفلام هوليودية مثل “عربة اسمها الرغبة” (1952) و”متمرد بلا قضية” (1955).
واكتسبت هذه الملابس أبعاداً سياسية وثقافية عميقة، تجلت في تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” عام 1959، كشف عن اعتقال مراهق في برلين الشرقية والحكم عليه بالسجن لمدة شهرين، لمجرد شرائه بنطال جينز أزرق من القطاع الغربي للمدينة.
دوافع نفسية وبحث عن الحرفية
ويتناول محرر أزياء الرجال ديفيد هيلكفيست هذا التحول في كتابه المرتقب “حداثة الياقات الزرقاء”، موضحاً أن الأمر يتجاوز المظهر الخارجي إلى تلبية طموح نفسي؛ فارتداء هذه الأزياء يمنح موظفي المكاتب فرصة لتبني صورة تعكس الاعتماد على النفس والاستقلالية، وتوحي بقدرة الرجل على إنجاز المهام اليدوية وإصلاح الأشياء.
وتدعم مؤرخة الموضة سونيا أبريغو هذا التوجه، مشيرة إلى أن الجاذبية تكمن في الحنين إلى الماضي والبحث عن المتانة والحرفية التي تفتقر إليها الملابس الحديثة منخفضة التكلفة، إلى جانب سعي بعض المستهلكين لإيجاد رابط ملموس مع تاريخ عائلاتهم ومهن الأجيال السابقة.
استثمار تجاري وتناقضات الموضة
تستفيد علامات تجارية معاصرة من هذا التوجه العالمي، مثل “أورالي” اليابانية، و”فيرا” البريطانية المتخصصة في الأزياء المستوحاة من الأرياف، إضافة إلى العلامة الدنماركية “إم إف بن” التي تعتمد على الأقمشة الفائضة لإنتاج بدلات مريحة ذات طابع عملي.
وفي سياق متصل، أسس توم تشودلي عام 2020 علامة “سيرفيس ووركس” اللندنية بعد خبرة امتدت لعشر سنوات في قطاع المطاعم، لتقديم مآزر وسترات وسراويل طهاة بخامات عملية تجمع بين المهنية والموضة.
يثير هذا التهافت تساؤلات وانتقادات ملحوظة بشأن التناقض الكامن بين ارتداء هذه القطع والابتعاد الفعلي عن طبيعة العمل اليدوي، إذ يستنكر البعض إنفاق مبالغ باهظة لاقتناء أزياء مستوحاة من ملابس العمال الشاقة، واستخدامها حصراً أثناء الجلوس خلف المكاتب.
