تواجه تايوان، رغم مساحتها الصغيرة التي لا تتجاوز 36 ألف كيلومتر مربع، اختباراً مصيرياً لقدرتها على حماية عمودها الفقري الاقتصادي: صناعة أشباه الموصلات.
وفي ظل تداعيات حرب إيران على أسواق الطاقة العالمية، برزت الجزيرة كنموذج فريد للدول المتقدمة التي تعتمد على القوة المالية لسد ثغرات الأمن الطاقي، متجنبة بذلك انهياراً في سلاسل الإمداد التكنولوجية كان من شأنه أن يشل الاقتصاد العالمي.
وتعتمد قدرة تايوان على الصمود أمام أزمة الطاقة ليس على وفرة المخزونات، بل على سيولة مالية هائلة تسمح لها بشراء الغاز المسال بأسعار خيالية في السوق الفورية.
وتظهر بيانات البنك المركزي أن احتياطات النقد الأجنبي للجزيرة بلغت 597.2 مليار دولار بنهاية يونيو، مع فائض في الحساب الجاري وصل إلى 181.1 مليار دولار في 2025.
وهذه القوة الشرائية مكنت تايبيه من دفع علاوات حرب تجاوزت 25 دولاراً للمليون وحدة حرارية بريطانية، لضمان استمرار عمل محطات التوليد دون انقطاع، بينما تعاني دول أخرى من شح التمويل.
هشاشة البنية التحتية للطاقة
تكشف المعطيات عن واقع هش؛ إذ لا يتجاوز مخزون تايوان من الغاز المسال 12 يوماً من الاستهلاك، وهو رقم ضئيل مقارنة باليابان (ثلاثة أسابيع) أو كوريا الجنوبية (شهر).
وتفسر الباحثة آن-صوفي كوربو من جامعة كولومبيا هذا الضعف بعوامل جيولوجية تمنع تخزين الغاز تحت الأرض، مما يفرض الاعتماد على خزانات سطحية محدودة السعة.
ومع اعتماد الجزيرة على الغاز لتوليد أكثر من 42% من كهربائها، فإن أي تأخير في الشحنات كان ليهدد بتوقف مصانع الرقائق الحيوية.
التحول نحو الغاز الأميركي
أجبرت الهجمات الإيرانية على منشآت قطر، المورد التقليدي الذي يغطي ثلث احتياجات تايوان، الجزيرة على إعادة رسم خريطة مورديها.
وبحسب بيانات الجمارك، أصبح الغاز الأميركي المصدر الأول لتايوان في أبريل، محلّلاً القطري والأسترالي.
ورغم أن الأسعار الحالية تتراوح بين 20 و22 دولاراً، أي ضعف ما كانت عليه قبل الحرب، إلا أن المرونة المالية سمحت لتايوان بتأمين حاجتها، عاكسةً معادلة جيوسياسية جديدة تضع واشنطن في صدارة إمدادات الطاقة لطوكيو وسيول وتايبيه.
رهان العالم على “تي إس إم سي”
لا تقتصر أهمية أمن الطاقة في تايوان على حدودها المحلية، بل تمتد لتشمل الاستقرار الاقتصادي العالمي. فقطاع أشباه الموصلات، بقيادة شركة “تي إس إم سي” التي تسيطر على 70% من سوق تصنيع الرقائق المتطورة، يساهم بخمس الناتج المحلي الإجمالي للجزيرة.
وأشار صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير إلى أن صادرات الذكاء الاصطناعي من دول مثل تايوان ساهمت في تخفيف أثر الحرب على النمو العالمي، مما يجعل استمرارية عمل مصانع الرقائق قضية ذات أولوية دولية قصوى.
آفاق التخزين وتحديات الحصار
إدراكاً لمخاطر الاعتماد الكلي على السوق الفورية، تسعى تايبيه لرفع سعة تخزين الغاز إلى 24 يوماً بحلول عام 2027 عبر توسيع محطات الاستقبال.
غير أن الأزمة الراهنة تسلط الضوء على نقطة ضعف استراتيجية قد تستغلها بكين لتعزيز حججها حول هشاشة الجزيرة أمام أي حصار بحري محتمل.
وبينما تنجح تايوان حالياً في درء كارثة انقطاع الكهرباء بفضل محافظها المالي، تبقى مسألة الأمن الطاقي طويلة الأمد تحدياً وجودياً يتطلب تنويع المصادر وتعزيز البنية التحتية بعيداً عن تقلبات السوق والحروب الإقليمية.
