قراءة في الزيارة التي أعادت تعريف العلاقة بين أبوظبي وبرلين
محمد الزمزمي
الأرقام الكبرى تخدعنا أحيانًا بسهولة قراءتها. أربعون مليار يورو رقم يمكن أن يُقرأ في ثانية واحدة، ويُنسى في الثانية التالية، ما لم يُفهم السياق الذي وُلد فيه.
وفي التاسع من سبتمبر 2026، حين حطّت طائرة رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في برلين، لم يكن يحمل معه رقمًا فحسب، بل كان يحمل خلاصة خمسين عامًا من علاقة بُنيت، حجرًا حجرًا، بعيدًا عن الأضواء، قبل أن تتحول في تلك الأيام الثلاثة إلى واحدة من أهم المحطات في تاريخ العلاقة بين البلدين.
كانت زيارة الدولة هذه، بدعوة من الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير، هي الأولى من نوعها لرئيس دولة إماراتي إلى ألمانيا. حدث لا يمر مرور الكرام في عالم البروتوكول الدبلوماسي، حيث لكل “أول مرة” وزنها الرمزي الذي يفوق أحيانًا مضمونها الفعلي.
لكن ما جرى في برلين لم يكتفِ بالرمزية: فبعد لقاءات مع الرئيس شتاينماير والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، خرج الجانبان بإعلان مشترك أسّس لصيغة جديدة اسمها “الحوار الاستراتيجي”، غرضها إعادة بعث الشراكة الاستراتيجية الشاملة الموقعة أصلًا عام 2004، وتوسيعها لتشمل الأمن الدولي والإقليمي، والدفاع، والتجارة، والاستثمار، والطاقة، والمناخ، والتقنيات الناشئة، والرقمنة، والنقل، والبيئة، والثقافة، والتعليم — أي كل ما يمكن أن تحتاجه دولتان لبناء علاقة لا تشبه علاقات المصالح العابرة.
وهنا يكمن أول درس في هذه الزيارة: العلاقات الكبرى لا تُصنع في لحظة، بل تُراكَم. من عام 1972، حين تأسست العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، إلى افتتاح السفارتين عام 1976، إلى الشراكة الاستراتيجية عام 2004، ثم الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2019 كانت كل محطة حجرًا يُضاف إلى بناء لم يكتمل بعد. وزيارة سبتمبر 2026 لم تكن قفزة مفاجئة، بل كانت الثمرة الطبيعية لمسار طويل، تمامًا كما تنضج الثمرة على فرع غُرس منذ عقود.
أما الرقم نفسه أربعون مليار يورو حزمة استثمارية إماراتية في ألمانيا، تشمل مراكز بيانات بقدرة تقارب غيغاواط كامل، إلى جانب تسعة وعشرين مذكرة تفاهم بين شركات القطاع الخاص بقيمة تتجاوز 9.3 مليار يورو فهو لا يروي القصة كاملة. لأن القصة الحقيقية ليست في حجم المال، بل في اتجاهه. فحين تختار دولة أن تستثمر في مراكز بيانات ألمانية، فهي لا تشتري أصلًا ماليًا فحسب، بل تشتري حصة في مستقبل الاقتصاد الرقمي لأكبر اقتصاد في أوروبا. وحين توافق ألمانيا على تأسيس “مجلس الاستثمار الإماراتي-الألماني” وتستأنف “اللجنة الاقتصادية المشتركة”، فهي لا تفتح بابًا للمال وحده، بل تفتح غرفة قرار مشترك.
لكن الأعمق من الاستثمار كان ما لا تُقاس قيمته بالمليارات: الثقة. ففي برلين، وقّع الجانبان مذكرة تفاهم لاستكشاف التعاون الدفاعي، وأخرى للتعاون الأمني والشرطي، وأسّسا “طاولة مستديرة دفاعية” رفيعة المستوى، ووصفا العلاقة بأنها تتجاوز “علاقة المورّد والمتلقي” إلى شراكة استراتيجية أوسع. كما وقّعا اتفاقية للمساعدة القانونية المتبادلة في المسائل الجنائية، وفعّلا نظام “EasyPASS” لتسهيل دخول المواطنين الإماراتيين إلى ألمانيا.
هذه ليست تفاصيل هامشية؛ إنها المعيار الحقيقي للثقة بين الدول: أن تفتح لك دولة ملفاتها الأمنية والقضائية، لا فقط أسواقها.
والأهم من هذا كله، أن ألمانيا لم تتعامل مع الإمارات بوصفها شريكًا اقتصاديًا فحسب، بل بوصفها فاعلًا دبلوماسيًا له وزنه. فقد شكر المستشار الألماني الإمارات على دورها في تيسير محادثات بين أوكرانيا وروسيا، وناقش الجانبان تفصيلًا مسار إعادة الإعمار، فيما رحّبا معًا بتبادل الأسرى الذي تجاوز عدده الإجمالي منذ اندلاع الحرب 7,997 حالة. كما أدان الجانبان معًا الهجمات الإيرانية على الإمارات ودول المنطقة، وطالبا إيران بالكف عن التهديد بأمن مضيق هرمز، وجدّدا التزامهما بحل الدولتين للقضية الفلسطينية على أساس حدود الرابع من يونيو 1967، ودعوا لوقف فوري للعمليات العسكرية في السودان وهدنة إنسانية غير مشروطة، وأكدا دعمهما لوحدة لبنان وسيادته.
لم تكن هذه الملفات جزءًا من “بروتوكول المجاملة” الدبلوماسي المعتاد، بل كانت اعترافًا صريحًا بأن الإمارات باتت طرفًا لا يمكن تجاوزه في صياغة الحلول لأصعب أزمات العالم.
ثمة مفارقة جميلة يستحق التوقف عندها: الإمارات العربية المتحدة اتحاد من سبع إمارات، وألمانيا جمهورية اتحادية من ست عشرة ولاية. اتحادان، كل منهما وُلد من قرار جمع أجزاء متفرقة في كيان واحد أقوى من مجموع أجزائه. وربما لهذا بالذات بدت اللغة بينهما، حين التقيا في برلين، لغة مفهومة: لغة من يعرف أن القوة الحقيقية لا تكمن في الانفراد، بل في قدرة الأطراف المختلفة على الجلوس حول طاولة واحدة، ليس بوصف أحدهما ضيفًا يُستقبل، بل بوصفه شريكًا يُشارك في صياغة القرار.
فحين يغادر الشيخ محمد بن زايد ألمانيا بعد ثلاثة أيام، لم يكن قد وقّع اتفاقيات فحسب. كان قد أثبت أن العلاقة بين دولة خليجية شابة وأقوى اقتصاد في أوروبا، لم تعد تُقاس بمنطق “الشمال المتقدم والجنوب الباحث عن فرصة”، بل بمنطق شراكة نضجت بما يكفي لتجلس على طاولة واحدة، وتتحدث بصوت واحد عن الطاقة والاقتصاد والأمن ومستقبل العالم.
وهذا، لا الأربعون مليار يورو، هو ما يستحق أن يُقرأ بعناية في زيارة سبتمبر 2026.
