تتصاعد التكهنات بشأن تحول نوعي في المشهد الأمني بجنوب لبنان، مدفوعة بتسريبات صحفية أفادت بأن الولايات المتحدة تعتزم نشر قوات عسكرية على الأرض اللبنانية والإسرائيلية لضمان التزام الطرفين بالاتفاق الإطاري الموقع مؤخراً.
وتتزامن هذه التطورات مع جدل داخلي لبناني حاد حول طبيعة الاتفاق الذي وُقّع في واشنطن، وسط مخاوف من تكرار سيناريوهات التدخل العسكري الأجنبي في المنطقة.
ونقلت صحيفة “واشنطن بوست” عن مسؤول أمريكي رفيع المستوى، طلب عدم الكشف عن هويته، أن الإدارة الأمريكية تخطط للاضطلاع بدور مباشر في مراقبة تحركات الجيشين اللبناني والإسرائيلي. وأوضح المسؤول أن هذا الدور سيشمل وجود قوات أمريكية فعلية على الأرض في كلا البلدين، لرصد أي انتهاكات محتملة للاتفاق.
وأضاف أن الولايات المتحدة تملك بالفعل قوات في لبنان تؤدي مهام مراقبة منذ عام 2024، غير أن المهمة ستتوسع لتشمل الإشراف المباشر على التزام الطرفين بشروط الاتفاق الإطاري.
وفيما يخص الهيكلية القيادية، أكد المسؤول أن قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) لن يتولى دوراً ميدانياً مباشراً في المراقبة، لكن مسؤولين داخل سنتكوم سيرفعون تقارير فورية إلى إدارة الرئيس دونالد ترامب حول أي خروقات تُرصد، لتمكين الإدارة من اتخاذ قرارات التدخل المناسبة.
زيارة بيروت الأولى منذ الاتفاق
تزامنت هذه التصريحات مع زيارة أجراها الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية، إلى بيروت أمس، وهي الأولى من نوعها منذ توقيع الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل.
ويرى محللون أن الزيارة تأتي في ظرف دقيق يتزامن مع انتهاء التفويض الممنوح لقوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، فيما طرحت فرنسا وإيطاليا إنشاء مهمة رقابية جديدة لدعم الاتفاق، وهو مقترح رحبت به الحكومة اللبنانية.
تباين في قراءة الدور الأمريكي
تباينت تفسيرات المراقبين والمحللين العسكريين والسياسيين لطبيعة الوجود الأمريكي المرتقب في جنوب لبنان.
فقد استبعد خبراء عسكريون وجود دور قتالي للقوات الأمريكية على الأرض، مرجحين اقتصار مهمتها على المراقبة والإشراف ضمن آلية جديدة تستبدل لجنة “الميكانيزم” السابقة التي كانت تضم فرنسا واليونيفيل، بلجنة ثلاثية أمريكية-لبنانية-إسرائيلية تجعل من واشنطن الوسيط الوحيد والضامن المحايد القادر على ممارسة الضغط لانسحاب القوات الإسرائيلية.
ورأى محللون سياسيون أن هذا التحول يأتي بديلاً طبيعياً لتراجع دور اليونيفيل وتحفظ دول أوروبية مثل فرنسا وبريطانيا على إرسال قوات مشتركة، لا سيما في غياب مشروع لقوة عربية بديلة.
تحذير من سيناريو 1982
في المقابل، حذر محللون سياسيون من أن هذا السيناريو قد يستعيد تجربة “القوات المتعددة الجنسيات” التي قادتها واشنطن عقب الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، مشككين في نوايا الولايات المتحدة التي قد تسعى إلى استبعاد أي دور أوروبي أو أممي، واستخدام وجودها العسكري غطاءً سياسياً وميدانياً لتبرير الاعتداءات الإسرائيلية أو تعطيل الانسحاب الكامل من المناطق اللبنانية المحتلة. وتساءل هؤلاء عما إذا كانت القوة الأمريكية ستظل مجرد مراقب، أم أنها ستكون طرفاً لوجستياً فعالاً جاهزاً لاستخدام القوة ضد أي انتهاك يُنسب إلى الجانب اللبناني.
يُذكر أن الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل وُقّع في 26 يونيو/حزيران 2026 برعاية أمريكية في واشنطن، وقوبل برفض لبناني واسع، تصدّره موقف حزب الله. وكان أمينه العام نعيم قاسم قد أعلن أن الحزب سيتعامل مع الاتفاق باعتباره “منعدم الوجود”، معتبراً إياه تنازلاً عن السيادة، في وقت لا يزال فيه الجدل محتدماً حول تداعيات هذا الملف على مستقبل الاستقرار في البلاد.
