تتجه صناعة الملابس العالمية نحو أزمة تسعير خانقة ستطاول جيوب المستهلكين بحلول العام المقبل، مدفوعة بتداعيات الحرب الأميركية على إيران التي أشعلت تكاليف الشحن والطاقة.
ومع تزايد المخاوف من تأثير ظاهرة “النينيو” المناخية على المحاصيل الزراعية، وجدت المصانع الآسيوية وكبرى العلامات التجارية نفسها أمام ضغوط غير مسبوقة، تنذر بارتفاع أسعار الملابس الجاهزة بنسب تتراوح بين 10% و20%.
أزمة ألياف مزدوجة: القطن والبوليستر يشتعلان معاً
لم تقتصر الأزمة على تعقيدات النقل، بل ضربت عصب الصناعة المتمثل في المواد الخام. فمع تصاعد أسعار النفط، قفزت تكلفة البوليستر في الصين إلى أعلى مستوياتها في أربع سنوات، بعدما كان يُتداول بنصف سعر القطن قبل الحرب.
وفي المقابل، لم يكن القطن الملاذ الآمن؛ إذ دفع نقص الأسمدة ومخاوف إمدادات المحاصيل المرتبطة بظاهرة النينيو أسعاره لأعلى مستوى في عامين، لتلامس عقوده الآجلة ذروتها منذ آذار/مارس 2024.
وهذا الارتفاع المتزامن حرم العلامات التجارية من مرونة التبديل بين الخامات. وبحسب جوليان هوغل، الشريك في مؤسسة “ماكنزي”، فإن تعرض الألياف الرئيسية لضغوط سعرية في الوقت ذاته يسد طريق الهروب نحو بدائل رخيصة.
المصانع في وجه العاصفة: توقف الإنتاج وتآكل الأرباح
تتحمل المصانع حالياً العبء الأكبر من هذه الصدمة، في بيئة لا تتجاوز فيها هوامش أرباحها 3%، بينما تمثل المواد الخام نحو 60% من كلفة إنتاج القميص الأساسي. وفي بنغلاديش، اضطر مصنع “بلومي فاشنز” قرب العاصمة دكا إلى إغلاق إحدى صالات الإنتاج منذ ثلاثة أشهر، إثر تعليق مشترين لطلبيات البوليستر بانتظار هبوط الأسعار.
ووفقاً لـ “بلومبيرغ”، قفزت أسعار خيوط البوليستر بنسبة 25% خلال أسابيع من اندلاع الحرب لدى المصنع الذي يزود علامات بارزة مثل “زارا” و”بول آند بير”.
وتزامن ذلك مع شلل شبه تام في صادرات بنغلاديش من الملابس إلى الشرق الأوسط، والتي كانت تدر نحو 800 مليون دولار سنوياً.
الحال لم يكن أفضل في الهند، التي تستحوذ على 4% من تجارة المنسوجات العالمية، حيث تراجعت صادرات الملابس الجاهزة بنسبة 4.5% في تموز/يوليو الماضي، وبنحو 10.5% خلال الأشهر الأربعة الأولى من السنة المالية.
وأكدت شركة “إندو كاونت إندستريز” الهندية امتداد الغلاء ليشمل الأصباغ والمواد الكيميائية والغاز، وهو ما انسحب أيضاً على أوروبا، حيث سجلت شركة “كيتلهاك” الألمانية زيادة في تكاليفها وصلت إلى 8%.
حيل العلامات التجارية وفاتورة المستهلك
تمتلك العلامات التجارية الكبرى مساحة مناورة أوسع، تتراوح بين الضغط على الموردين، أو تعديل التصميمات وتقليل أوزان الأقمشة، وصولاً إلى رفع الأسعار النهائية كما فعلت شركة “أسكيت” السويدية للحفاظ على جودة منتجاتها. من جهتها، اعترفت مجموعة “إنديتكس” المالكة لعلامة “زارا” بأن اضطرابات الشرق الأوسط ضغطت على هوامش الربح ورفعت تكاليف المدخلات، ما دفعها لتعديل مسارات التوريد.
ورغم هذه الإجراءات، فإن المستهلك سيكون الحلقة الأخيرة التي ستدفع الفاتورة. ورغم أن التأثيرات ستبدأ بالظهور خلال فصل الخريف، إلا أن الضربة الكبرى ستتضح في متاجر التجزئة خلال ربيع وصيف العام المقبل، نظراً لطبيعة العقود التي تُبرم قبل عام من موعد العرض.
ووسط التضخم وارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة، تواجه الشركات خطراً حقيقياً يتمثل في إحجام الزبائن عن الشراء. فكما يلخص مدير “بلومي فاشنز” المشهد: “في الأوقات الصعبة، يستطيع المستهلك بكل بساطة تأجيل شراء قميص جديد والاكتفاء بما لديه في خزانته”.
