أدت الهجمات المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا على السفن التجارية والموانئ في البحر الأسود وبحر آزوف إلى تراجع صادرات الحبوب من البلدين، ودَفعت العقود الآجلة للقمح إلى أعلى مستوياتها في 3 سنوات، وسط مخاوف من اتساع الضغوط على أسواق الغذاء العالمية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه أسواق الغذاء ضغوطاً متزايدة بفعل اضطراب حركة التجارة عبر مضيق هرمز، وما يترتب عليه من ارتفاع تكلفة الأسمدة والمدخلات الزراعية، إلى جانب موجات الحر التي أضرت بالمحاصيل الأوروبية ومخاوف من تأثير ظاهرة “إل نينيو” على الإنتاج الزراعي.
وتوفر روسيا وأوكرانيا معاً أكثر من ربع صادرات القمح العالمية، كما تمثلان مصدراً رئيسياً للشعير والذرة وزيت دوار الشمس، ما يجعل أي تعطّل طويل الأمد في صادراتهما عاملاً مؤثراً في أسعار السلع الغذائية.
ضربات متواصلة
صعّدت روسيا خلال الأشهر الماضية هجماتها على منشآت تصدير الحبوب الأوكرانية، واستهدفت موانئ رئيسية في تشورنومورسك وأوديسا وبيفديني، إضافة إلى منشآت تابعة لشركات عالمية لتجارة المحاصيل، بينها “بانجي غلوبال” و”آرتشر دانييلز ميدلاند”.
وامتدت الهجمات إلى الموانئ الأوكرانية على نهر الدانوب، التي تحولت إلى مسار بديل مهماً لصادرات الحبوب بعد تراجع استخدام موانئ البحر الأسود. ويواجه هذا المسار نفسه تحديات بسبب انخفاض منسوب المياه نتيجة ارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف.
وأدت هذه التطورات إلى تراجع صادرات أوكرانيا من الحبوب. وقال وزير الزراعة تاراس فيسوتسكي إن صادرات أغسطس لم تتجاوز نحو خُمس طاقتها المحتملة، فيما حذرت الوزارة من أن الشحنات الزراعية خلال الموسم الحالي قد تقل عن نصف التقديرات السابقة.
ولم تسلم روسيا من تداعيات التصعيد. فقد استهدفت أوكرانيا موانئ وسفناً روسية في البحر الأسود وبحر آزوف، ما هدد بتعطيل طريق بحري ينقل عادة أكثر من 70% من صادرات الحبوب الروسية.
وتعرض ميناءان روسيان رئيسيان على ساحل بحر آزوف لهجمات في يوليو، ما قيد حركة الملاحة عبر قناة الدون-آزوف، بينما أوقفت عدة منشآت لتصدير الحبوب في نوفوروسيسك عملياتها في أغسطس بعد تعرضها لأضرار جراء هجوم واسع بالطائرات المسيّرة.
وتحتاج أعمال إصلاح المنشآت المتضررة إلى أشهر، في وقت لا تستطيع فيه موانئ روسيا على بحر البلطيق تعويض كامل الطاقة التصديرية المفقودة، إذ لا تكفي قدراتها لاستيعاب نحو 60 مليون طن متري من الحبوب التي يمكن لروسيا تصديرها خلال موسم واحد.
وانخفضت صادرات القمح الروسية في أغسطس إلى أقل من نصف مستواها في الشهر نفسه من العام الماضي، بينما توقعت شركة “سوف إيكون” أن تهبط صادرات سبتمبر إلى أدنى مستوى لهذا الشهر منذ عام 2010.
البحر الأسود في قلب السوق
يعد البحر الأسود أحد أهم ممرات التجارة الزراعية في العالم، ويمر عبره جزء كبير من تجارة القمح والذرة وزيت دوار الشمس، ما يجعل تعطّل الملاحة فيه سريع الانعكاس على الأسواق العالمية.
وتكتسب الصادرات الأوكرانية أهمية خاصة بالنسبة إلى دول في أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا، التي تعتمد على الحبوب القادمة من المنطقة ولا تستطيع بسهولة تحمل تكلفة الإمدادات البديلة الأعلى سعراً.
أما روسيا، فهي أكبر مصدر للقمح عالمياً، وتوفر نحو طن واحد من كل 6 أطنان قمح يجري تداولها في الأسواق الدولية.
وقال مات داراغ، محلل الحبوب والبذور الزيتية لدى “كبلر”، إن قمح البحر الأسود يكون عادة الأرخص في الأسواق العالمية، محذراً من أن المشترين الأكثر حساسية للأسعار قد يقلصون وارداتهم أو يضطرون إلى دفع أسعار أعلى، ما قد يرفع تضخم الغذاء عالمياً.
مسار بديل لأوكرانيا
نجحت أوكرانيا في مواصلة تصدير جزء من محاصيلها عبر ممر بحري أنشأته بعد انسحاب روسيا في 2023 من اتفاق رعته الأمم المتحدة للسماح بتصدير الحبوب عبر البحر الأسود.
وتسلك السفن هذا الممر بمحاذاة الساحل الأوكراني لتقليل مخاطر الهجمات، قبل عبور المياه الإقليمية لرومانيا وبلغاريا ثم التوجه عبر مضيق البوسفور إلى البحر المتوسط.
وقال مايك فيردين، كبير مستشاري الأسواق لدى “سي آر إم أغري كوموديتيز”، إن الأسواق اعتمدت حتى الآن على استمرار تدفق الحبوب الأوكرانية رغم الحرب، معتبراً أن التصعيد الحالي يعيد إلى الواجهة الخطر الأساسي الذي أحدثته الحرب على تجارة الحبوب.
فرص استئناف الاتفاق
طرحت كييف هدنة لوقف الهجمات على السفن التي تنقل المنتجات الزراعية عبر البحر الأسود، لكن موسكو رفضت المقترح، وفق الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي قال إن روسيا اشترطت ضمانات بعدم استهداف بنيتها التحتية للطاقة.
وتعرضت منشآت روسية للطاقة، بينها مصافٍ نفطية، لهجمات أوكرانية بالطائرات المسيّرة، فيما وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعض مقترحات كييف لوقف إطلاق النار بأنها “غير مقبولة” و”غريبة”.
في المقابل، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في 31 أغسطس إن أنقرة تجري اتصالات مع روسيا وأوكرانيا بهدف إحياء اتفاق الحبوب الذي توسطت فيه الأمم المتحدة، لكن فرص التوصل إلى اتفاق جديد لا تزال غير واضحة.
وتزيد احتمالات استمرار التصعيد من صعوبة استعادة حركة التجارة الطبيعية، خصوصاً مع تقارير عن استعداد روسيا لتكثيف هجماتها على أوكرانيا بعد تعثر مفاوضات السلام.
ضغوط إضافية على الأسعار
لم تصل أسعار الغذاء العالمية بعد إلى المستويات القياسية التي سجلتها عقب اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا في 2022، كما أن وفرة مخزونات الحبوب بعد مواسم إنتاج قوية توفر للأسواق هامشاً لامتصاص جزء من الصدمة.
وتساعد دول مثل رومانيا وبلغاريا وصربيا في توفير مصادر بديلة للقمح القادم من منطقة البحر الأسود، لكن استمرار الهجمات قد يرفع تكلفة الإمدادات ويزيد المنافسة على الشحنات المتاحة.
وتتزامن هذه المخاطر مع ارتفاع تكاليف الأسمدة والوقود نتيجة اضطراب حركة التجارة عبر مضيق هرمز، ما يضيف أعباء جديدة على المزارعين ويهدد بزيادة تكلفة الإنتاج الزراعي.
كما تضغط موجات الحر على المحاصيل في أجزاء من أوروبا، بينما يهدد تراجع إنتاج الذرة بزيادة اعتماد المنطقة على الواردات، خصوصاً أن الذرة تستخدم على نطاق واسع في أعلاف الحيوانات.
وفي الولايات المتحدة، تؤثر موجات الجفاف في السهول الكبرى وحزام الذرة على المحاصيل وأسعار السلع الزراعية، في وقت قد تؤدي فيه عودة ظاهرة “إل نينيو” إلى مزيد من التقلبات في الطقس والإنتاج.
يمثل تصدير الحبوب مورداً مهماً للعملة الأجنبية لأوكرانيا، ولذلك فإن تراجع حركة الموانئ والصادرات يضغط مباشرة على إيرادات المزارعين وعلى الاقتصاد الذي يواجه تداعيات الحرب.
وفي روسيا، قد تدفع صعوبات التصدير وتراجع عوائد المزارعين بعض المنتجين إلى تقليص المساحات المزروعة بالمحاصيل الشتوية، وهو ما قد ينعكس على حجم الإمدادات المتاحة في الأسواق العالمية خلال المواسم المقبلة.
