حرب الخرائط في هرمز: الألغام في الماء وصناديق الاقتراع في أمريكا
حين يصبح السؤال: من يملك حق رسم الممر، لا من يعبره
في مساء الخميس الماضي، اقترب زورق صغير من ناقلة نفط على بُعد نحو خمسة وعشرين ميلًا بحريًا شمال شرقي خصب العُمانية، فثبّت على جسمها عبوتين فوق خط الماء ثم ابتعد. دقائق، ثم انفجار، ثم حريق في غرفة المحركات. لم يُصب أحد، وعادت الناقلة إلى الإبحار. لكن تلك اللحظة الصغيرة كانت، بحسب ما نقلته يورونيوز، أول هجوم ناجح معلن بلغم لاصق في المضيق منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية في فبراير.
في اليوم نفسه، كان الحرس الثوري يعلن أن ثلاث ناقلات انفجرت واحترقت على ما يسميه “مسارات غير مرخصة”، وكانت القيادة المركزية الأمريكية تؤكد أن الممرات الدولية خالية من الألغام. روايتان للمياه ذاتها، وخريطتان للمضيق ذاته. وهنا بالضبط جوهر المسألة: لم تعد معركة هرمز معركة عبور، بل صارت معركة على حق رسم الخريطة.
تصرّ طهران على أن السفن لا تمر إلا عبر المسارات الشمالية القريبة من سواحلها وبالتنسيق مع سلطاتها، بينما تدفع واشنطن الشاحنين نحو المسار الجنوبي الذي أعلنه الرئيس ترامب خاليًا من الألغام منذ أواخر أغسطس، وفق شبكة سي بي إس. المتحدث باسم الحرس، أبو الفضل محبي، تحدّى الأمريكيين أن يثبتوا بأدلة مستقلة لا ببيانات أنهم طهّروا المضيق. والأدميرال براد كوبر يرد بأنه حلّق فوق المياه ورأى عشرات السفن ولم يرَ للحرس أثرًا.
بين الروايتين تقف الأرقام شاهدًا أكثر صدقًا من الطرفين. فبحسب الجزيرة، بلغت حركة العبور في الأسبوع المنتهي في الثامن والعشرين من أكتوبر 155 رحلة دخول و122 رحلة خروج، أي أقل بنحو 70 في المئة من مستويات ما قبل الحرب. والتلفزيون الإيراني يتحدث عن ست ناقلات على الأقل تضررت في الأيام الأخيرة، بينها ناقلة عملاقة تحمل مليوني برميل. وأيًّا كانت الحقيقة الكاملة، فإن الرسالة وصلت إلى من يهمه الأمر: شركات التأمين وملّاك السفن لا يقرؤون البيانات العسكرية، بل يقرؤون الحرائق.
الأسواق التقطت الرسالة سريعًا. فقد ارتفع خام برنت يوم الجمعة بنحو 2.4 في المئة إلى قرابة 117.6 دولارًا للبرميل، متجهًا إلى مكسب شهري يقارب 15 في المئة، وهو رابع شهر صعود على التوالي، كما أوردت صحيفة ذا ناشونال. اللغم الواحد في المضيق لا يُغرق ناقلة فحسب، بل يرفع فاتورة الطاقة في كل مطبخ من جاكرتا إلى برلين.
المفارقة أن الألغام تتكاثر في الوقت الذي تتكاثر فيه المبادرات. فقد قدّم الوسطاء القطريون، يوم الأحد الماضي، مسودة اتفاق لإنهاء الحرب تقوم على جدول زمني من سبعة أيام وخطوات يومية لبناء الثقة وضامنين من عدة دول، بحسب رويترز. ردّ مسؤول إيراني رفيع بأن الدوحة حملت “أفكارًا غير مقبولة وليست عرضًا”، ومع ذلك عاد الوسطاء إلى طهران يوم الجمعة. وفي الخلفية رسالة من نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إلى رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي، قال ترامب إنها تتعلق بالإمدادات الطبية لا بإحياء المفاوضات.
العقدة لم تتغير منذ شهور: واشنطن تريد الملف النووي على الطاولة من اللحظة الأولى، وطهران تريد أولًا رفع الحصار عن موانئها وتخفيف العقوبات عن نفطها. كل طرف يطلب من الآخر أن يدفع ثمن التذكرة قبل أن يصعد إلى القطار.
غير أن الساعة الحقيقية التي تضبط إيقاع هذه الدبلوماسية ليست في الدوحة ولا في طهران، بل في صناديق الاقتراع الأمريكية. فالانتخابات النصفية في الثالث من نوفمبر، وتقارير وول ستريت جورنال وأسوشيتد برس تفيد بأن واشنطن أبلغت حلفاءها في الخليج بالاستعداد لحملة قصيرة ومكثفة بعد الاقتراع، مع أن ترامب لم يتخذ قرارًا نهائيًا. وفي المقابل، وجّه المرشد مجتبى خامنئي قادته إلى ردّ فوري “دون قيود جغرافية” إذا تعرضت إيران لهجوم جديد.
حين تتحول الحرب إلى توقيت سياسي داخلي، يصبح المضيق رهينة لتقويم انتخابي لا علاقة له بالملاحة ولا بالأمن الإقليمي.
يتردد في واشنطن أن حملة سريعة قد تحسم ما عجزت عنه ثمانية أشهر من الحرب. لكن التجربة تقول غير ذلك. فالحرب التي بدأت في الثامن والعشرين من فبراير، وتخللها اتفاق مرحلي في يونيو سرعان ما انهار، كلّفت بحسب تقديرات القيادة المركزية نحو 47 مليار دولار، منها 29 مليارًا لتعويض الذخائر. والمستشار الألماني فريدريش ميرتس يقدّر كلفتها على أوروبا بأكثر من مئة مليار يورو.
والأهم أن الخبير إريك بروير من مبادرة التهديد النووي يرى أنه لا حل عسكريًا للمواقع النووية المتبقية المحصنة في الأنفاق، وأن البرنامج متوقف عمومًا أصلًا. أي أن الضربة الجديدة قد تشتري أيامًا من الصمت مقابل شهور من الفوضى. فالألغام اللاصقة والزوارق الصغيرة لا تحتاج إلى أسطول كي تعمل، بل إلى ممر ضيق وإرادة للإزعاج، وكلاهما متوفر.
الدول العربية المطلة على الخليج هي الأكثر تعرضًا وأقلها نصيبًا في القرار. فقد هاجم الحوثيون مصفاة رأس تنورة السعودية، وتحدث مسؤولون أمنيون إيرانيون، بحسب رويترز، عن خطط لاستهداف الكابلات البحرية في الخليج إذا استؤنفت الضربات. والبحرية العُمانية أخلت خمسة وعشرين بحارًا من سفينة مشتعلة قبالة مسندم. هذه ليست أخبارًا بعيدة، بل هي تفاصيل الحياة اليومية لاقتصادات بنت ازدهارها على حرية الملاحة واستقرار الممرات.
ولهذا فإن الحراك الذي قادته قطر وباكستان، والاجتماع الذي ضم مسؤولين من السعودية وتركيا وباكستان مع الإيرانيين في طهران، ليس ترفًا دبلوماسيًا، بل هو خط الدفاع الأول عن مصالح المنطقة. فالخليج يحتاج إلى ترتيب ملاحي مضمون دوليًا، لا إلى انتصار طرف على آخر في حرب الروايات.
صحيفة “جمهوري إسلامي” الإيرانية كتبت أن فرص الاتفاق ضئيلة، لكنها دعت إلى ألا تُقبل الحرب قدرًا محتومًا. وهذه، في تقديري، أصدق جملة قيلت هذا الأسبوع. فالمضيق الذي يبلغ أضيق عرض له بضعة وثلاثين كيلومترًا لا يتسع لخريطتين متنافستين، ولن تحسمه ضربة بعد اقتراع، ولا لغم يُلصق في الظلام.
إن السؤال الذي سيحدد شكل الشرق الأوسط في الأشهر المقبلة ليس من سينتصر في هرمز، بل من سيمتلك الشجاعة ليتنازل أولًا عن حقه المزعوم في رسم الخريطة وحده. فالممرات البحرية، مثل الأوطان، لا تُحكم بالقوة طويلًا؛ إنها تُحكم بالاتفاق، أو تُترك للحرائق.
