دخل باب المندب مجدداً دائرة التصعيد العسكري في المنطقة، مع استهداف جماعة الحوثيين سفناً في المضيق وتهديدها حركة الملاحة المرتبطة بخصومها، بالتزامن مع الحرب الأميركية الإيرانية التي أدت إلى اضطراب حركة السفن في مضيق هرمز.
وأظهرت أحدث بيانات شركة “كيبلر” أن 19 سفينة حاملة للسلع عبرت باب المندب في 14 أغسطس/آب، مقارنة بـ20 سفينة في اليوم السابق. ووفق البيانات التي نقلتها وكالة رويترز، ظل عدد السفن التي تعبر المضيق أقل من مستويات سابقة، مع استمرار حركة الملاحة رغم التصعيد.
ويأتي ذلك بعد أيام من هجوم حوثي على سفينة “تيهامة” في باب المندب، أسفر عن مقتل أفراد من طاقمها وعناصر إنقاذ يمنيين، في أحدث تطور يتعلق بأمن الملاحة في المضيق منذ بدء الحرب الأميركية الإيرانية.
لماذا باب المندب مهم؟
يقع باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، بين الساحل الغربي لليمن وسواحل القرن الأفريقي، ويربط البحر الأحمر بخليج عدن ثم بالمحيط الهندي.
وتستخدم السفن القادمة من آسيا والمتجهة إلى أوروبا هذا الطريق للوصول إلى البحر الأحمر وقناة السويس، فيما يمكن للسفن التي تتجنب المنطقة أن تسلك طريق رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا.
ويرتبط المضيق بحركة التجارة بين آسيا وأوروبا، كما يمثل طريقاً مهماً لنقل شحنات الطاقة والسلع عبر البحر الأحمر.
ويشير صندوق النقد الدولي، عبر منصة “PortWatch”، إلى أن اضطرابات الملاحة في منطقة البحر الأحمر وباب المندب تؤثر في حركة التجارة البحرية وتدفع السفن إلى تغيير مساراتها.
19 سفينة في 14 أغسطس
بحسب بيانات “كيبلر” التي نقلتها رويترز، عبرت 19 سفينة حاملة للسلع باب المندب في 14 أغسطس/آب، مقابل 20 سفينة في اليوم السابق.
وكان المضيق قد سجل 30 عبوراً في 12 أغسطس، بينما بلغ متوسط العبور نحو 25 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة، وفق بيانات الشركة.
وفي 29 يوليو/تموز، أظهرت بيانات الملاحة عبور 39 سفينة حاملة للسلع باب المندب، وهو أعلى رقم مسجل منذ 19 يوليو، بحسب رويترز.
وتعتمد أرقام “كيبلر” على بيانات تتبع السفن، ولذلك لا تمثل بالضرورة جميع السفن التي تعبر المضيق، خصوصاً في الحالات التي تكون فيها أجهزة التتبع غير مفعلة.
الحوثيون وتأثيرهم على الملاحة
أعلن الحوثيون في 20 يوليو/تموز فرض “حصار بحري” على السفن المرتبطة بالسعودية في البحر الأحمر، وقالت الجماعة إن الخطوة جاءت رداً على ما وصفته بحصار سعودي على اليمن.
ومنذ ذلك الإعلان، أعلنت الجماعة تنفيذ هجمات على سفن قالت إنها مرتبطة بالسعودية، في وقت أظهرت فيه بيانات الملاحة تغيراً في أعداد السفن التي تعبر باب المندب.
وفي 6 أغسطس/آب، أظهرت بيانات “كيبلر” عبور سفينة واحدة فقط من سفن السلع باب المندب في يوم واحد، مقارنة بـ20 سفينة في اليوم السابق، وفق رويترز.
لماذا يستهدف الحوثيون باب المندب؟
يربط الحوثيون عملياتهم البحرية بالحرب الدائرة في المنطقة، ويقولون إن استهداف السفن يأتي رداً على العمليات العسكرية ضد اليمن وإيران، إلى جانب استهداف السفن المرتبطة بالسعودية والولايات المتحدة وحلفائهما.
وفي 20 يوليو/تموز، أعلنت الجماعة فرض حصار بحري على السفن المرتبطة بالسعودية، وقالت إن السفن التي تنقل شحنات أو معدات إلى المملكة ستكون ضمن أهدافها.
وفي 11 أغسطس/آب، هاجم الحوثيون سفينة “تيهامة” في باب المندب. وقالت الجماعة إن السفينة كانت تحمل معدات عسكرية سعودية، بينما لم تتمكن رويترز من التحقق بصورة مستقلة من هذا الادعاء.
وبذلك تربط الجماعة نشاطها البحري مباشرة بأطراف الحرب، وتستخدم استهداف السفن والتهديد بها ضمن عملياتها العسكرية المعلنة.
ماذا يريد الحوثيون من الضغط على الملاحة؟
لا يتطلب التأثير في حركة الملاحة إغلاق باب المندب بالكامل. فاستهداف سفن محددة أو تهديد فئات من السفن يمكن أن يدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها أو اتخاذ إجراءات أمنية إضافية.
وأفادت رويترز في 12 أغسطس بأن ناقلات نفط سعودية بدأت تستخدم إجراءات لإخفاء بيانات التتبع، بينما تجنبت ناقلات كبيرة المرور عبر باب المندب بسبب مخاطر الهجمات الحوثية.
كما يؤدي تغيير مسار السفن إلى استخدام طرق أطول، خصوصاً طريق رأس الرجاء الصالح، بدلاً من المرور عبر باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس.
لماذا يشكل باب المندب ضغطاً على العالم؟
ترتبط أهمية باب المندب بالمسار البحري الذي يصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس. وعندما تتجنب السفن هذا الطريق، تضطر السفن المتجهة بين آسيا وأوروبا إلى استخدام طرق بديلة.
وأظهرت تجربة الهجمات السابقة على الملاحة في البحر الأحمر تأثير ذلك على حركة التجارة. وقال صندوق النقد الدولي في مارس/آذار 2024 إن حركة التجارة عبر قناة السويس انخفضت بنسبة 50% على أساس سنوي خلال أول شهرين من ذلك العام، بينما زادت حركة السفن حول رأس الرجاء الصالح بأكثر من 50%.
وأشار الصندوق إلى أن تغيير المسارات أدى في ذلك الوقت إلى زيادة متوسط زمن التسليم بنحو عشرة أيام أو أكثر.
وتنعكس الرحلات الأطول على استهلاك الوقود ومدة الرحلة وتكاليف النقل والتأمين، كما تؤثر في حركة السلع بين الأسواق الآسيوية والأوروبية.
هجوم سفينة “تيهامة“
في 11 أغسطس/آب، تعرضت سفينة الشحن “تيهامة” لهجوم في باب المندب.
وقالت مصادر يمنية ومسؤولون عسكريون، وفق رويترز، إن أربعة من أفراد طاقم السفينة قتلوا، بينهم ثلاثة باكستانيين وإندونيسي، كما قتل اثنان من عناصر الإنقاذ اليمنيين وأصيب آخرون.
وقالت جماعة الحوثيين إن السفينة كانت تحمل معدات عسكرية سعودية، بينما لم تتمكن رويترز من التحقق بصورة مستقلة من هذا الادعاء.
وأفادت رويترز بأن الهجوم كان أول هجوم حوثي على سفينة منذ بدء الحرب الأميركية الإيرانية في 28 فبراير/شباط يسفر عن قتلى.
باب المندب في مقابل هرمز
يتزامن التصعيد في باب المندب مع اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، الواقع بين الخليج العربي وخليج عمان.
وفي 14 أغسطس/آب، أظهرت بيانات “كيبلر” عبور تسع سفن حاملة للسلع مضيق هرمز، مقابل خمس سفن في اليوم السابق، فيما بلغ متوسط العبور خلال أغسطس نحو 12 سفينة يومياً. وفي اليوم نفسه، سجل باب المندب عبور 19 سفينة.
وكانت حركة الملاحة عبر هرمز قد سجلت ست سفن فقط في 11 أغسطس، مقارنة بمتوسط بلغ نحو 11 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة.
وتختلف طبيعة حركة الملاحة في المضيقين؛ فهرمز يرتبط بصورة مباشرة بخروج شحنات النفط والغاز من منطقة الخليج، بينما يرتبط باب المندب بحركة السفن بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس.
ماذا تريد إيران من إغلاق هرمز؟
تربط إيران إغلاق مضيق هرمز بالحرب مع الولايات المتحدة ومطالبها لإنهاء العمليات العسكرية.
وقال مسؤول إيراني في 11 أغسطس/آب إن المضيق سيبقى مغلقاً ما لم تغير واشنطن سلوكها وتقبل شروط طهران لإنهاء الحرب، وفق ما نقلته رويترز.
ويعد هرمز ممراً رئيسياً لصادرات النفط والغاز من دول الخليج. ووفق بيانات نقلتها رويترز، كان نحو خُمس الإمدادات العالمية من النفط يمر عبر المضيق قبل الحرب.
وفي 13 أغسطس/آب، اتهمت الإمارات إيران بمهاجمة سفينتين تابعتين لشركة بترول أبوظبي الوطنية “أدنوك” أثناء مرورهما في مضيق هرمز، وقالت إن الهجوم لم يسفر عن إصابات. ولم ترد إيران على الاتهام في التقرير الذي نشرته رويترز.
إيران والحوثيون
يأتي نشاط الحوثيين في باب المندب في سياق الحرب الأميركية الإيرانية، في ظل ارتباط الجماعة بإيران ودعمها لطهران في المواجهة.
وخلال الحرب، أعلن الحوثيون مواقف وعمليات عسكرية قالوا إنها تأتي دعماً لإيران أو رداً على العمليات الأميركية.
وفي يوليو/تموز، نقلت رويترز عن مصادر أن إيران طلبت من الحوثيين الاستعداد لإغلاق باب المندب إذا شنت الولايات المتحدة هجمات على شبكة الطاقة الإيرانية. وأوضح التقرير أن هذه المعلومات جاءت من مصادر ولم تكن إعلاناً إيرانياً رسمياً.
وفي المقابل، أعلن الحوثيون فرض حصار بحري على السفن المرتبطة بالسعودية، لتشمل عمليات الجماعة بذلك حركة الملاحة في جنوب البحر الأحمر.
حرب المعابر المائية
أدخل التصعيد في باب المندب وهرمز الممرات البحرية الرئيسية ضمن العمليات المرتبطة بالحرب الأميركية الإيرانية.
في هرمز، يرتبط الضغط بحركة النفط والغاز الخارجة من الخليج. وفي باب المندب، يرتبط الضغط بحركة التجارة والسفن التي تستخدم البحر الأحمر وقناة السويس.
وتختلف الأدوات المستخدمة في المضيقين. فإيران تسيطر على جانب من السواحل المطلة على هرمز، وتربط إغلاق المضيق بالحرب وشروطها لإنهائها، بينما يستخدم الحوثيون مواقعهم على الساحل اليمني وقدرتهم على استهداف السفن للضغط على السعودية والولايات المتحدة وحلفائهما.
وفي 14 أغسطس/آب، سجلت “كيبلر” عبور 19 سفينة حاملة للسلع في باب المندب، مقابل تسع سفن في هرمز، وفق البيانات التي نقلتها رويترز.
كيف يتحول الضغط البحري إلى ضغط اقتصادي؟
يؤثر تعطيل المعابر البحرية في حركة السفن وتكاليف نقل السلع والطاقة.
ففي باب المندب، يؤدي تجنب البحر الأحمر إلى زيادة زمن الرحلات بين آسيا وأوروبا بسبب استخدام طريق رأس الرجاء الصالح.
أما في هرمز، فإن انخفاض حركة السفن يطال ممراً رئيسياً لشحنات النفط والغاز من الخليج، ما ينعكس على أسواق الطاقة.
وفي 14 أغسطس/آب، ارتفع سعر خام برنت بأكثر من دولار للبرميل، وسط استمرار التوترات المرتبطة بالملاحة والحرب، وفق رويترز. وأشارت الوكالة إلى أهمية مضيق هرمز في حركة النفط العالمية.
وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن اضطرابات البحر الأحمر تؤثر في حركة التجارة البحرية، فيما تظهر بيانات الملاحة الحالية تغيرات في حركة السفن عبر باب المندب وهرمز مع استمرار التصعيد.
طريق قناة السويس
يرتبط باب المندب بالمسار البحري المؤدي إلى قناة السويس، ولذلك فإن تجنب المضيق والبحر الأحمر يغير مسار السفن بين آسيا وأوروبا.
وأدت المخاطر الأمنية في البحر الأحمر خلال مراحل سابقة إلى تغيير شركات شحن لمسارات سفنها، فيما عادت شركات أخرى إلى استخدام البحر الأحمر وقناة السويس مع تحسن الظروف الأمنية.
وأفادت رويترز في 12 أغسطس بأن ناقلات نفط سعودية بدأت تستخدم بصورة متزايدة إجراءات لإخفاء بيانات التتبع، فيما تجنبت ناقلات كبيرة المرور عبر باب المندب بسبب مخاطر الهجمات الحوثية.
معبر مفتوح تحت التهديد
تظهر أحدث بيانات الملاحة أن باب المندب لم يتوقف عن استقبال السفن، إذ سجل 19 عبوراً لسفن السلع في 14 أغسطس/آب.
لكن أعداد العبور تغيرت خلال الأسابيع الأخيرة، من سفينة واحدة في 6 أغسطس إلى 30 سفينة في 12 أغسطس ثم 19 سفينة في 14 أغسطس، وفق بيانات “كيبلر” التي نقلتها رويترز.
وفي الوقت نفسه، استمرت الهجمات الحوثية والتهديدات التي تطال السفن، كان آخرها هجوم 11 أغسطس على “تيهامة” الذي أسفر عن سقوط قتلى.
