لم يعد اسم بيل غيتس مرتبطا فقط بشاشة الحاسوب ونظام “ويندوز” الذي غيّر شكل الحياة الرقمية. فالرجل الذي شارك في تأسيس مايكروسوفت قبل أكثر من نصف قرن، وتحول إلى أحد أشهر أثرياء العالم، أعاد تعريف صورته خلال العقود الأخيرة من ملياردير التكنولوجيا إلى أحد أكبر المستثمرين في الصحة العالمية والطاقة النظيفة والعمل الخيري.
وفي عام 2026، يقف غيتس أمام فصل مختلف من حياته؛ فهو لم يعد يدير مايكروسوفت، لكنه لا يزال رئيس مؤسسة غيتس، ويقود مشاريع في الطاقة النووية والمناخ، ويتابع عن قرب التطورات في الذكاء الاصطناعي.
وفي الوقت نفسه، أعلن خطة لتسريع التخلي عن الجزء الأكبر من ثروته، على أن تغلق مؤسسته أبوابها نهائيا في نهاية عام 2045.
من هو بيل غيتس؟
ويليام هنري غيتس الثالث، المعروف باسم بيل غيتس، ولد في 28 أكتوبر/تشرين الأول 1955 في مدينة سياتل بولاية واشنطن الأميركية. نشأ في عائلة ميسورة، وكان والده محاميا بارزا، فيما كانت والدته ناشطة في العمل المدني والخيري.
منذ سنواته الدراسية الأولى، أظهر غيتس شغفا استثنائيا بالبرمجة. وفي مدرسة “ليكسايد” في سياتل، حصل على فرصة نادرة في ذلك الوقت للوصول إلى أجهزة الكمبيوتر، وهي تجربة لعبت دورا أساسيا في تحديد مسار حياته.
وفي مذكراته “Source Code”، التي صدرت عام 2025، تحدث غيتس عن طفولته وعلاقته بوالديه ومعلميه، وعن شخصيته المتمردة في سنوات المراهقة، كما استعاد بدايات علاقته بالبرمجة وبصديقه وشريكه المستقبلي بول ألين.
صداقة بدأت من المدرسة وانتهت بإمبراطورية
لم تكن مايكروسوفت نتيجة فكرة تجارية تقليدية، بل جاءت من شغف شابين بالكمبيوتر.
كان غيتس وبول ألين يتابعان التطور السريع في عالم الحواسيب، وفي أواخر عام 1974 شاهدا غلاف مجلة “Popular Electronics” الذي عرض جهاز “Altair 8800″، وهو من أوائل الحواسيب الشخصية التي لفتت اهتمام الهواة آنذاك.
أدرك الصديقان أن ظهور هذا النوع من الأجهزة يمكن أن يفتح سوقا ضخمة للبرمجيات. وكانت المشكلة أنهما لم يكونا قد طوّرا فعليا البرنامج الذي أخبرا الشركة المنتجة بامتلاك نسخة منه.
لكن ذلك لم يمنعهما من المحاولة. وعملا على تطوير نسخة من لغة البرمجة “BASIC” لجهاز “Altair”، وتمكنا من بيع البرنامج إلى شركة “MITS” في عام 1975.
وكانت تلك الصفقة البداية الفعلية لما أصبح لاحقا “مايكروسوفت”. وتوضح سجلات مايكروسوفت أن أول مبيعات الشركة في ذلك العام بلغت نحو 16 ألف دولار فقط.
مايكروسوفت.. الرهان الذي غيّر صناعة الكمبيوتر
في عام 1975، أسس غيتس وألين مايكروسوفت، وكان الرهان الأساسي أن انتشار الكمبيوتر الشخصي سيخلق طلبا هائلا على البرمجيات.
جاءت إحدى أهم لحظات التحول في عام 1981، عندما دخلت مايكروسوفت سوق أنظمة التشغيل، وظهر نظام “MS-DOS” مع الكمبيوتر الشخصي الذي طرحته شركة IBM.
وبدلا من أن تكون مايكروسوفت مجرد شركة تبيع برامج صغيرة للحواسيب، أصبحت لاعبا أساسيا في صناعة الكمبيوتر الشخصي. وفي العام نفسه أصبح غيتس رئيس الشركة ورئيس مجلس إدارتها، فيما تولى ألين منصب نائب الرئيس التنفيذي.
ومن هناك بدأت رحلة النمو الهائلة التي جعلت مايكروسوفت واحدة من أكثر شركات التكنولوجيا تأثيرا في العالم.
من البرمجيات إلى “ويندوز“
كان غيتس يدرك مبكرا أن مستقبل الكمبيوتر لن يتوقف عند المبرمجين والهواة، وأن الحاسوب الشخصي يمكن أن يصبح أداة يومية لملايين الأشخاص.
ومع تطور منتجات مايكروسوفت، أصبح نظام “ويندوز” أحد أبرز المنتجات التي رسخت حضور الشركة في أجهزة الكمبيوتر الشخصية، إلى جانب برامج “Office” وغيرها من البرمجيات.
وخلال سنوات قيادته، انتقلت مايكروسوفت من شركة ناشئة صغيرة إلى عملاق عالمي في صناعة البرمجيات.
وفي عام 2000، أصبح ستيف بالمر الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت، بينما تولى غيتس منصب رئيس مجلس الإدارة وكبير مهندسي البرمجيات. وبعد سنوات، ابتعد غيتس تدريجيا عن الإدارة اليومية للشركة، قبل أن يغادر العمل بدوام كامل فيها عام 2008 ليتفرغ بصورة أكبر للعمل الخيري.
القصة الأشهر.. مجلة قلبت حياة غيتس
من أكثر القصص ارتباطا ببداية إمبراطورية غيتس أن فكرة تأسيس مايكروسوفت بدأت من غلاف مجلة.
كان بول ألين هو من عثر على عدد يناير/كانون الثاني 1975 من “Popular Electronics”، وعندما رأى غيتس صورة جهاز “Altair 8800″، أدرك الاثنان أن ثورة الكمبيوتر الشخصي تقترب.
لم يكن لديهما في ذلك الوقت برنامج جاهز فعليا للجهاز، لكنهما أخبرا الشركة المنتجة بأنهما يملكان نسخة من “BASIC”، ثم عملا على تطويرها بسرعة لإثبات ذلك.
كان الرهان كبيرا، والوقت محدودا، لكن نجاحهما في تقديم البرنامج وضع أول حجر في بناء مايكروسوفت.
قصة أخرى.. غيتس الذي كان يعيش داخل الكود
قبل تأسيس مايكروسوفت، كان غيتس يقضي ساعات طويلة أمام أجهزة الكمبيوتر في المدرسة، ثم واصل شغفه في جامعة هارفارد.
وفي مذكراته، يستعيد فترة دراسته الجامعية وتجربته في مختبر الكمبيوتر، حيث كان يعمل مع بول ألين على البرمجة، وهي الفترة التي ساعدته على تطوير مهاراته قبل اتخاذ القرار المصيري بترك الجامعة والانطلاق في عالم الأعمال.
وبحسب غيتس، كانت تلك السنوات مليئة بالتجارب والمحاولات والأخطاء، لكنها شكلت الأساس الذي قاده لاحقا إلى تأسيس مايكروسوفت.
المؤسسة التي أصبحت جزءا من إرثه
في عام 2000، أسس بيل وميليندا غيتس المؤسسة الخيرية التي أصبحت لاحقا “مؤسسة غيتس”، بهدف مواجهة الفقر والأمراض وعدم المساواة، مع تركيز كبير على الصحة العالمية والتعليم.
ومع مرور السنوات، تحولت المؤسسة إلى واحدة من أكبر المؤسسات الخيرية في العالم، ووسعت برامجها لتشمل مكافحة الأمراض المعدية، وصحة الأمهات والأطفال، والتغذية، والزراعة، والمياه والصرف الصحي، والتنمية الاقتصادية وغيرها.
وتقول المؤسسة إن أعمالها خلال أول 25 عاما، من 2000 إلى 2025، أسهمت في تقديم أكثر من 100 مليار دولار، فيما تتوقع أن تنفق نحو ضعف هذا المبلغ خلال العقدين التاليين حتى عام 2045.
غيتس يقرر أن يتخلى عن ثروته
في عام 2025، أعلن غيتس قرارا غير مسبوق في مسيرته الخيرية: تسريع التخلي عن ثروته بدلا من الاحتفاظ بها لعقود طويلة.
وقال إن معظم ثروته المتبقية ستذهب إلى مؤسسة غيتس خلال السنوات العشرين التالية، على أن تنهي المؤسسة أعمالها وتغلق أبوابها في 31 ديسمبر/كانون الأول 2045.
وبحسب المؤسسة، فإن غيتس تعهد بإعطاء “نحو كامل” ثروته المتبقية للمؤسسة خلال هذه الفترة. وتستهدف المؤسسة إنفاق أكثر من 200 مليار دولار بين عامي 2025 و2045، مع زيادة كبيرة في وتيرة الإنفاق على برامجها.
وفي يناير/كانون الثاني 2026، أعلنت المؤسسة خطة للوصول إلى إنفاق سنوي قدره 9 مليارات دولار، في إطار تسريع العمل قبل موعد الإغلاق المقرر في 2045.
ماذا يملك غيتس اليوم؟
لم تعد ثروة غيتس تعتمد بصورة رئيسية على امتلاك حصة كبيرة في مايكروسوفت كما كان الحال في العقود السابقة.
وتقدر “فوربس” حصة غيتس في مايكروسوفت بأقل من 1%، بعد أن نقل مليارات الدولارات من أسهم الشركة إلى الجهة الاستئمانية التي تمول مؤسسة غيتس في عام 2022.
وتدار أجزاء مهمة من استثماراته عبر شركة “Cascade”، التي تستثمر في قطاعات متنوعة، من العقارات التجارية والأراضي الزراعية إلى السكك الحديدية والطيران والضيافة الفاخرة.
ومن أبرز استثماراتها حصة مسيطرة في شركة “Four Seasons Hotels and Resorts”، التي تقول “Cascade” إنها استثمرت فيها منذ عام 1997.
كما يرتبط غيتس بمشروعات وشركات تعمل في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والمناخ.
الطاقة النووية.. الإمبراطورية الثانية
إلى جانب التكنولوجيا والعمل الخيري، دخل غيتس بقوة في قطاع الطاقة.
فهو مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة “TerraPower”، التي تعمل على تطوير تقنيات للطاقة النووية المتقدمة، كما أسس “Breakthrough Energy”، وهي منظومة تركز على دعم الابتكار في تقنيات الطاقة النظيفة وخفض الانبعاثات.
وتقول “TerraPower” إن غيتس يشغل منصب رئيس مجلس إدارتها منذ عام 2006، بينما تؤكد الشركة أن مشروعها يستهدف تطوير طاقة نووية أكثر أمانا وأقل تكلفة وأكثر ملاءمة للبيئة.
أما “Breakthrough Energy”، فتصف غيتس بأنه مؤسسها، وتركز على تسريع تطوير ونشر تقنيات الطاقة النظيفة.
أين يوجد بيل غيتس الآن؟
في عام 2026، لم يعد غيتس رجل مايكروسوفت الذي يدير تفاصيل شركة البرمجيات العملاقة، بل أصبح نشاطه موزعا بين العمل الخيري والطاقة والمناخ والتكنولوجيا.
وهو رئيس مؤسسة غيتس، ومؤسس “Breakthrough Energy”، ورئيس مجلس إدارة “TerraPower”، إضافة إلى نشاطه الفكري عبر موقعه “Gates Notes”، الذي يكتب فيه عن التكنولوجيا والصحة والمناخ والذكاء الاصطناعي وغيرها من القضايا.
وفي أغسطس/آب 2026، عاد غيتس إلى واجهة النقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي، محذرا من تداعياته المحتملة على الوظائف والاقتصاد والمجتمع، وداعيا إلى وضع أطر دولية للتعامل مع مخاطره.
وفي أحدث مواقفه، دعا إلى الحفاظ على بعض الوظائف التي يرى أن العنصر البشري فيها لا يمكن الاستغناء عنه بسهولة، كما طالب الحكومات بالاستعداد بشكل أفضل للتحولات التي قد يفرضها الذكاء الاصطناعي.
كم تبلغ ثروة بيل غيتس؟
بحسب قائمة “فوربس” للمليارديرات في الوقت الفعلي، بلغت ثروة بيل غيتس نحو 110 مليارات دولار في 29 أغسطس/آب 2026، ليحتل المرتبة 19 عالميا في ذلك التاريخ.
وتبقى هذه القيمة تقديرية ومتغيرة، لأنها ترتبط بقيمة الاستثمارات والأصول والأسواق المالية، وليست مبلغا نقديا موجودا في حساب مصرفي. وتظهر “فوربس” أن مصدر ثروته الأساسي هو مايكروسوفت، مع استثمارات متنوعة تراكمت على مدى عقود.
