تكثف الجيوش الأوروبية خطواتها نحو دمج الذكاء الاصطناعي في صلب قدراتها الدفاعية، متجاوزة مرحلة الاختبار إلى مرحلة النشر الفعلي. وأحدث تجليات هذا التسارع برنامج “Brave Germany” الذي أطلقته برلين وكييف الاثنين، وينص على إنتاج نحو 5 آلاف طائرة مسيرة هجومية متوسطة المدى مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وتقول لورا برون، الباحثة في معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، إن الجيوش الأوروبية تستخدم الذكاء الاصطناعي منذ نحو عشر سنوات في الموارد البشرية والخدمات اللوجستية والصيانة، لكنها تركز استثماراتها حالياً في مجالين رئيسيين: أنظمة أسلحة شبه ذاتية التشغيل، وأنظمة دعم قرار معززة بالذكاء الاصطناعي. وتشدد على أنه “يظل هناك دوماً إنسان في الحلقة هو من يضغط على الزر ويتخذ القرار النهائي”.
عقود بمئات الملايين وطموحات “سيادية” بعيداً عن واشنطن
تبرز ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة كأكثر الدول الأوروبية تقدماً في دمج الذكاء الاصطناعي عسكرياً، وفق برون. ووقعت برلين اتفاقاً مع شركة “Helsing AI” عام 2023 لبناء العمود الفقري للذكاء الاصطناعي في نظام القتال الجوي المستقبلي (FCAS)، إضافة إلى عقد آخر بقيمة 269 مليون يورو لإنتاج ذخائر جوّالة.
وأعلنت بريطانيا عن برنامج “Asgard” الرقمي للاستطلاع والضرب، وأبرمت شراكة استراتيجية مع “Palantir” الأميركية تستثمر بموجبها الشركة ما يصل إلى 1.73 مليار يورو.
وتتميز فرنسا بمسعى لإنشاء أنظمة ذكاء اصطناعي عسكرية “سيادية” مستقلة عن الولايات المتحدة، حيث منحت اتفاقية إطار لشركة “Mistral” الباريسية، المنافس الأوروبي الرئيسي لعمالقة الذكاء الاصطناعي الأميركيين.
المفوضية الأوروبية تمول مشاريع دفاعية وأصوات تحذر من بطء التنفيذ
على المستوى المؤسسي، اختارت المفوضية الأوروبية الشهر الماضي عدداً من مشاريع الذكاء الاصطناعي للحصول على تمويل من صندوق الدفاع الأوروبي، بينها تطوير نموذج لغوي كبير للاستخدام الحكومي، وأداة دعم قرار “سيادية”، ونظام مدفعية مدعوم بالذكاء الاصطناعي.
لكن روي ليندلوف، أستاذ علم البيانات في الأكاديمية الدفاعية الهولندية، يحذر من أن “عملية اتخاذ القرار لدينا تستغرق وقتاً طويلاً جداً، وقد تعيق طريقة تنظيمنا سرعة نشر هذه الأنظمة”، مشيراً إلى أن أوروبا تملك خططاً “مدروسة جيداً” لكنها تحتاج إلى تسريع التنفيذ.
أوكرانيا مختبر حي.. مسيرات انتحارية وأنظمة تحدد الأهداف آلياً
تستلهم أوروبا بشكل كبير من تجربة أوكرانيا، التي طورت نظام “Delta” الرقمي لإدارة المعارك، وهو نظام مدعوم بالذكاء الاصطناعي يجمع بين أجهزة التتبع والرادارات ومزودي صور الأقمار الصناعية ومنصات الخرائط الرقمية لمساعدة الضباط على اتخاذ القرار.
وتستخدم القوات الأوكرانية أيضاً ذخائر جوّالة تُبرمج فيها عملية الملاحة وتحديد الأهداف بشكل آلي. وتقول برون إن هناك توجهاً في أوكرانيا نحو أتمتة شبه كاملة لسلسلة الاستخدام، حيث تختبر حالياً ذخائر قادرة على “إتمام المهمة” إذا فقد الضابط الاتصال بها، مضيفة: “الإنسان يمثل عنق زجاجة في قرارات الاستهداف، وكلما زاد مستوى الأتمتة زادت القدرة على الصمود وتسارعت الاستجابة للعدو”.
وتتعاون كييف مع “Palantir” في مشروع “Brave1 Dataroom” لتحليل بيانات القتال، بينما أعلنت المفوضية الأوروبية عن مشروع “STRATUS” لتطوير دفاع سيبراني ضد أسراب المسيّرات، وسيُختبر مباشرة في ساحة المعركة الأوكرانية.
