يواجه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي اختباراً سياسياً وعسكرياً حاسماً في لحظة فارقة تشهدها البلاد مع تسارع وتيرة حصر السلاح بيد الدولة.
ففي غضون أسبوع واحد فقط، أعلن التيار الصدري وعصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي انفصالها عن هيئة الحشد الشعبي، وهي فصائل كانت تشرف مجتمعة على نحو سبعة ألوية.
واتفق الزيدي مع وفود هذه الفصائل على تشكيل لجان مشتركة لتنفيذ الإجراءات خلال أيام، في خطوة رحبت بها واشنطن واعتبرتها “نوعية نحو السيادة”. لكن تعنت “كتائب حزب الله” و”حركة النجباء” وتمسكهما بعقيدتهما العسكرية يشكلان، وفق مراقبين، عقبة كبرى أمام جهود بناء دولة مركزية قوية.
كتائب حزب الله تعرض شراء أسلحة الفصائل المنسحبة
وفي تطور لافت الأسبوع الماضي، عرضت “كتائب حزب الله” شراء الأسلحة المتقدمة من الفصائل الراغبة في التخلي عنها، وفق تقرير لصحيفة “جيروزاليم بوست”، في إستراتيجية تهدف إلى تعزيز ترسانتها بدلاً من تسليمها.
وتأسست الكتائب عام 2007 على يد أبي مهدي المهندس الذي اغتيل في غارة أميركية عام 2020، وتعود جذورها إلى ما بعد الغزو الأميركي عام 2003 إثر انشقاقها عن جيش المهدي لمقتدى الصدر.
وتشكل ألوية 45 و46 و47 داخل الحشد الشعبي، وتسيطر على مناطق استراتيجية مثل جرف الصخر شمال بابل، وتضم نحو 10 آلاف مقاتل مدرب تدريباً عالياً. أما “حركة النجباء” التي أسسها أكرم الكعبي عام 2013 كفصيل منشق عن عصائب أهل الحق، فتشكل اللواء 12 داخل الحشد وتضم نحو 7 آلاف مقاتل ينتشرون على الحدود العراقية-السورية، مع جناح إقليمي في جنوب سوريا يعرف بـ”لواء تحرير الجولان”.
صواريخ باليستية ومسيرات انتحارية ورفض عقائدي لنزع السلاح
وتمتلك “كتائب حزب الله” ترسانة متقدمة تشمل صواريخ باليستية قصيرة المدى من عائلة “فاتح”، وصواريخ كروز مطورة بالتعاون مع الحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى طائرات مسيرة انتحارية من طراز “شاهد” و”صماد” وطائرات استطلاع “مرصاد”. أما “النجباء” فتركز على الطائرات المسيرة المتقدمة.
ويرفض التنظيمان حصر السلاح لأسباب عقائدية ترتبط بولاية الفقيه، ويعتبرانه أداة لمواجهة “الاحتلال” الأميركي. وسبق أن أعلنت الكتائب عام 2025 أنها لن تسلم “طلقة واحدة” إلا بعد انسحاب القوات الأجنبية، بينما وصفت النجباء السلاح بأنه “مقدس وخط أحمر”. وبعد هجوم السابع من أكتوبر 2023، انضم التنظيمان إلى ما يسمى “المقاومة الإسلامية في العراق”، وشنا عشرات الهجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ على قواعد أميركية.
واشنطن ترفض “تقاسم النفوذ” وتركز على نزع الأسلحة الإستراتيجية
تصنف الولايات المتحدة كلا التنظيمين منظمتين إرهابيتين أجنبيتين وتفرض عقوبات مشددة عليهما، وقد أدرجت قادة مثل أحمد الحميداوي على قوائم المكافآت بملايين الدولارات.
وتتهم الكتائب باختطافات وهجمات أودت بحياة جنود أميركيين، بينما هددت النجباء بقلب الحكومة إذا أمرت بذلك وجددت ولاءها للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي.
ووفق تقرير لصحيفة “وول ستريت جورنال”، فإن الولايات المتحدة “لن تقبل بتقاسم النفوذ مع إيران”، وأن التركيز الأميركي ينصب على نزع الأسلحة الإستراتيجية من هذه الفصائل. وتشير الصحيفة إلى أن الميليشيات التي ولدت من رحم الفوضى التي أعقبت الغزو الأميركي للعراق قبل أكثر من عقدين، كانت “إيرانية التمويل والعقيدة”.
وخاضت الكتائب والنجباء قتالاً ضد تنظيم داعش وأسهمتا في دعم نظام بشار الأسد في سوريا، لكنهما واجهتا اتهامات حقوقية واسعة بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين في العراق وسوريا.
وتتلقى هذه الميليشيات تدريباً وتمويلاً مباشراً من فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني. وأسفرت هجماتها على القواعد الأميركية عن خسائر بشرية وأجبرت واشنطن على ردود عسكرية متكررة.
اختبار الدولة بين سلطة القانون وولاية الفقيه
ويمثل رفض “كتائب حزب الله” و”النجباء” تسليم أسلحتهما العقبة الأبرز أمام جهود الزيدي في فرض سيطرة الدولة، في وقت تراهن فيه واشنطن على انقسامات داخل الحشد الشعبي لإضعاف النفوذ الإيراني.
ويثير عرض الكتائب شراء أسلحة الفصائل المنسحبة مخاوف من تحولها إلى القوة الأكثر تسليحاً خارج سيطرة الدولة، في مشهد يعكس صراعاً أعمق بين مشروع الدولة المركزية ومشروع الميليشيات المرتبطة بولاية الفقيه.
ويبقى السؤال المعلق: هل ينجح الزيدي في كسر شوكة الميليشيات المتبقية، أم أن عرض شراء السلاح سيعيد رسم خريطة النفوذ المسلح في العراق؟.
