تدخل أوروبا موسم الشتاء المقبل وهي في وضع أكثر هشاشة مما كانت تراهن عليه قبل أشهر. فالمخزونات لا تزال دون المستويات المستهدفة، وإمدادات الغاز الطبيعي المسال تتراجع، فيما تحولت آسيا إلى منافس شرس على الشحنات المتاحة، بالتزامن مع استمرار إغلاق مضيق هرمز وتعطل صادرات قطر، أحد أكبر موردي الغاز في العالم.
وكانت الحكومات وشركات الطاقة الأوروبية قد اختارت تأجيل الجزء الأكبر من عمليات إعادة ملء المخزونات، على أمل أن تنتهي المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران ويعود تدفق الغاز عبر المضيق الذي تمر منه نحو خمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية.
لكن الرهان على انفراج سريع بات أكثر كلفة. فأسعار الغاز اقتربت من أعلى مستوياتها منذ اندلاع الصراع، بينما أصبح الوقت المتاح أمام أوروبا لتأمين احتياجات الشتاء أقصر، وبدأ المشترون الآسيويون في الاستحواذ على شحنات كان يمكن أن تتجه إلى الأسواق الأوروبية.
سباق مع الوقت
بلغت مخزونات الغاز في الاتحاد الأوروبي أكثر قليلا من 54% من طاقتها، مقارنة بمتوسط يقارب 70% خلال السنوات الخمس الماضية، فيما يستهدف التكتل الوصول إلى 80% بحلول الأول من نوفمبر.
ولا تقتصر المشكلة على انخفاض المخزون، بل تمتد إلى سرعة إعادة تعبئته. فقد كانت أوروبا بحاجة إلى وصول شحنات الغاز الطبيعي المسال بوتيرة مماثلة للعام الماضي حتى تتمكن من بلوغ هدفها، إلا أن بيانات تتبع السفن تشير إلى أن التدفقات أقل بنحو 27% من مستويات العام الماضي، وفقا لمتوسط متحرك لـ30 يوما.
وترى آن-صوفي كوربو، الباحثة في مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا والرئيسة السابقة لتحليلات الغاز لدى «بي بي»، أن الأسواق قللت تدريجيا من شأن المخاطر إلى أن بدأت الأسعار في الارتفاع بسرعة، فيما بات السؤال المطروح هو مدى سرعة تحرك المشترين لمواجهة النقص.
آسيا تخطف الشحنات
في المقابل، تتحرك الأسواق الآسيوية بوتيرة أسرع. فارتفاع درجات الحرارة يدفع باكستان وبنغلادش والهند إلى شراء شحنات فورية بأسعار مرتفعة لتجنب نقص الكهرباء واضطراب الإنتاج الصناعي.
وتعود الصين، أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال عالميا، إلى السوق بقوة مع استعدادها لفترة ذروة الطلب الصيفي وإعادة بناء مخزوناتها. وارتفعت وارداتها من الغاز الطبيعي المسال في يونيو 8.3% على أساس سنوي، فيما اتجه المشترون الصينيون إلى زيادة الإمدادات من خارج منطقة الخليج لتعويض غياب الغاز القطري.
كما تعزز اليابان استخدام الغاز في توليد الكهرباء بعدما دفعت موجة الحر أسعار الكهرباء إلى أعلى مستوى لها في أكثر من ثلاثة أعوام، بينما تواجه كوريا الجنوبية وتايوان ضغوطا مماثلة.
وتلخص كوربو الفارق بين السوقين بالقول إن الدول الآسيوية تنظم مناقصات لشراء الغاز، بينما لا تفعل الدول الأوروبية الشيء نفسه بالوتيرة المطلوبة.
قطر خارج المعادلة
يزداد الضغط على أوروبا مع استمرار تعطل صادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية عبر مضيق هرمز. فقد توقفت التدفقات فعليا بعد تعرض ناقلة قطرية لهجوم قبل نحو أسبوعين، ولم تنجح محاولات استعادة الهدوء في ضمان عودة منتظمة للشحنات.
وتستعد قطر، التي تعد ثاني أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم في الظروف المعتادة، لاحتمال استمرار الاضطراب لفترة أطول. وبحسب أشخاص مطلعين على الأمر، تعتزم الدوحة تمديد حالة القوة القاهرة لعملائها الأوروبيين حتى منتصف أكتوبر، ولعملائها الآسيويين حتى سبتمبر.
وإذا تأكد هذا السيناريو، فإن أوروبا ستفقد عمليا فرصة الاعتماد على الإمدادات القطرية في جزء حاسم من موسم إعادة بناء المخزونات، ما يضعها في مواجهة مباشرة مع المشترين الآسيويين في السوق الفورية.
خيارات أضيق
لا تواجه أوروبا أزمة هرمز وحدها، بل تجد نفسها أمام تضييق متزامن في مصادر الإمداد. فالغاز الطبيعي المسال الروسي، الذي شكل 17% من واردات أوروبا بين يناير ويونيو من العام الجاري، يفترض أن يتوقف استيراده بالكامل بحلول يناير 2027 ضمن التوجه الأوروبي لإنهاء الاعتماد عليه.
وفشلت دول الاتحاد الأوروبي هذا الأسبوع في تمرير مقترح كان سيحد من قدرة الشركات على إعادة توجيه الغاز الطبيعي المسال الروسي إلى دول ثالثة، لكن الاتجاه السياسي العام في أوروبا يبقى واضحا نحو التخلص من هذا المصدر.
وبذلك تدخل أوروبا الشتاء المقبل وهي تحاول تعويض إمدادات قطرية متوقفة، وتقليص اعتمادها على الغاز الروسي، في وقت تزداد فيه المنافسة على الشحنات المتاحة من مصادر أخرى.
فاتورة الشتاء
المشكلة التي تواجه أوروبا ليست بالضرورة قدرتها على تأمين الغاز، بل السعر الذي ستدفعه مقابل ذلك. فمع ارتفاع المنافسة، قد تضطر شركات الطاقة الأوروبية إلى دخول السوق بأسعار أعلى بكثير مما كانت مستعدة لدفعه في وقت سابق.
ويقول كاسبيان كونران، الخبير الاقتصادي لدى «بارينغا بارتنرز»، إن المشترين الأوروبيين باتوا مضطرين إلى العودة إلى السوق وشراء الغاز بأسعار لم يكونوا مستعدين لدفعها سابقا، محذرا من أن البديل قد يكون مواجهة نقص حاد خلال الشتاء.
وتقدر «بارينغا» أن استمرار إغلاق مضيق هرمز حتى سبتمبر قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغاز والكهرباء بما يكفي لدفع بريطانيا وأوروبا إلى الانكماش قرب نهاية العام الجاري.
وهذا يعيد إلى الواجهة شبح أزمة الطاقة التي عصفت بأوروبا بعد خفض روسيا إمدادات الغاز عبر خطوط الأنابيب في 2022، حين تمكنت المنطقة من تجاوز الشتاء بفضل طقس معتدل على نحو استثنائي.
اختبار الحكومات
تواجه الحكومات الأوروبية الآن قرارا صعبا: ترك السوق تتولى تأمين الإمدادات، أو التدخل مبكرا لدعم عمليات الشراء قبل أن ترتفع الأسعار أكثر.
وكان مدير سوق الغاز في ألمانيا قد قال في مايو إنه لا يرى حاجة إلى تدخل حكومي لإعادة ملء المخزونات، معتبرا أن السوق الخاصة ستتكفل بالمهمة. لكن دولا أخرى، بينها إيطاليا وهولندا، بدأت تقديم قدر من الدعم، ما يرفع احتمال نشوب منافسة داخلية أوروبية على الشحنات نفسها.
وقد تتحول ألمانيا، أكبر أسواق الغاز الأوروبية، إلى نقطة حاسمة في هذا المسار. فإذا قررت برلين التدخل لدعم المشتريات، فقد تجد أوروبا نفسها في حرب مزايدات مع المشترين الآسيويين، في وقت ترتفع فيه تكلفة كل شحنة إضافية.
رهان على الطقس
يبقى الطقس أحد أهم المتغيرات القليلة التي يمكن أن تخفف الضغط عن السوق الأوروبية. لكن الاعتماد على شتاء معتدل لتغطية فجوة المخزونات سيكون أقرب إلى المقامرة منه إلى استراتيجية للطاقة.
ويحذر ماركو سالفرانك، رئيس تداولات أوروبا القارية لدى «أكسبو هولدينغ»، من أن تطورات الخليج تدفع السوق إلى تسعير سيناريو اضطراب طويل الأمد، ما يجعل أوروبا أكثر عرضة لصدمة برد مماثلة لما شهدته في يناير وأجزاء من فبراير.
ويحذر كريس أوشيا، الرئيس التنفيذي لـ«سنتريكا»، من أن انخفاض المخزونات وكميات الغاز سيجعلان أي شتاء بارد أكثر خطورة، مؤكدا أن الاعتماد على طقس دافئ لتقليل المخاطر ليس استراتيجية يمكن التعويل عليها.
وهكذا، لم يعد إغلاق مضيق هرمز مجرد أزمة إمدادات بعيدة عن أوروبا. فقد تحول إلى سباق عالمي على الغاز، تدخل فيه آسيا بقدرة شرائية متزايدة، بينما تبدأ أوروبا السباق متأخرة، ومخزوناتها أقل من المعتاد، ومصادرها التقليدية أضيق. وما سيحدد حجم الأزمة في النهاية قد لا يكون توافر الغاز بقدر ما سيكون السعر الذي ستضطر أوروبا إلى دفعه حتى لا ينقصها في الشتاء.
