افتتحت إسرائيل فصلاً جديداً في توثيق حربها عبر “مركز التراث والاستخبارات وإحياء الذكرى”، حيث دشّن معرضاً استثنائياً يغوص في أعماق العمليات الاستخباراتية لحماس.
ويعتمد المعرض على كنز من المواد الخام التي يديرها نخبة من كبار المسؤولين المتقاعدين من “الموساد” و”الشاباك” والاستخبارات العسكرية، ليكشف النقاب عن مقتنيات شخصية لزعيم الحركة السابق في غزة يحيى السنوار، وآلاف الوثائق التي رسمت ملامح هجوم السابع من أكتوبر.
وفي قلب القاعة الرئيسية، تتصدر المعروضات آثار شخصية عثر عليها ميدانياً للسنوار، شملت سترته الواقية، حذاءه، وملابسه، والأهم من ذلك مسودات خطط الهجوم المكتوبة بخط يده.
وتسلط وثيقة محورية الضوء على توجيه صادر عن السنوار في أغسطس 2022 بخصوص خطة “أسوار أريحا”؛ وهي خطة اطلعت عليها أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية عبر مستويات متوسطة، إلا أنها لم تصل لقادة الجيش آنذاك بعد تصنيفها خطأً على أنها سيناريو غير قابل للتنفيذ.
جبل من البيانات: مليون وثيقة وتدريبات الشجاعية السرية
لم يكتفِ المركز بالعرض البصري، بل كشف عن حجم هائل من المواد المضبوطة تجاوز المليون وثيقة ورقية داخلية، إضافة إلى بحر من البيانات الرقمية يقاس بملايين البايتات. وتتولى فرق تحليلية بقيادة العميد المتقاعد يوفال هلاميش ومعه العقيد شلومو موفاز (رئيس معهد عميت) مهمة تفكيك هذه الملفات في عملية ستستمر لسنوات.
وقد أسفر التحليل الأولي عن تقارير مفصلة تكشف كيف استغلت حماس لفترات الهدنة المؤقتة بين يناير ومارس 2025 لإعادة تدريب مجندين جدد في حي الشجاعية شمال غزة، موضحةً أسماء المشاركين، نتائج اختبارات الرماية، ومصير من فشل أو نجح، بالتوازي مع برامج التلقين الديني المكثف.
خرائط الموت وشرعنة القتل عبر الفتاوى الدينية
ينقل المعرض الزائر إلى عقلية التخطيط العسكري لحماس عبر عرض خرائط دقيقة للغاية وضعها مقاتلو النخبة لكل مستوطنة وبلدة إسرائيلية مستهدفة، مما يعكس دقة متناهية في رصد النقاط الأمنية المحصنة.
وبجانب الجانب العسكري، يبرز البعد الأيديولوجي عبر عرض نسخة خاصة من القرآن الكريم غُلفّت بصورة المسجد الأقصى لتتناسب مع مسمى العملية، مترافقةً مع كتاب “فتاوى” يحتوي على أحكام للشيخ يوسف القرضاوي تُبيح قتل المدنيين الإسرائيليين بدعوى أن طبيعة المجتمع الإسرائيلي العسكرية تجعل منه هدفاً مشروعاً بأكمله.
شبكة العملاء الدوليين وترسانة الأسلحة متعددة المصادر
يفضح قسم خاص في المعرض نقاب السرية عن أدوار خفية، حيث يحدد وثائقياً أسماء صحفيين غزيين عملوا كعناصر فعالة في الهجوم، ويتهم عاملين في وكالة “الأونروا” بالتجسس المزدوج والمشاركة في الفظائع. أما جناح الأسلحة فيقدم خريطة جيوسياسية للتسليح، معروضاً ترسانة متنوعة المصدر تشمل إيران، روسيا، كوريا الشمالية، الصين، بالإضافة إلى تصنيع محلي.
ويلقي المعرض الضوء بشكل خاص على الأسلحة المصرية المنشأ، مرجحاً تسربها إما سرقة أو تزويداً مباشراً خلال فترة رئاسة محمد مرسي (2012-2013)، مشيراً إلى تقلب درجات التعاون المصري مع إسرائيل قبل وبعد تلك الفترة.
رحلة في دهاليز الرعب: من مركبات الاقتحام إلى مأساة “نوفا“
يصمم المعرض تجربة غامرة تبدأ بعرض وسائل النقل المستخدمة في الاختراق، محددةً أرقاماً دقيقة لأكثر من 150 شاحنة و300 دراجة نارية. ثم ينقل الزائر عبر نفق مظلم يصاحب أصواتاً مزعجة وصفها المنظمون بأنها “تقشعر لها الأبدان”، لينتهي به المطاف أمام حطام سيارات مثقوبة بالرصاص تعود لضحايا مهرجان “نوفا”.
ويخصص المعرض مساحة مقدسة لذكرى 1,224 شهيداً عبر صورهم المرتبة أبجدياً، وفيديوهات توثق بشاعة الجثث المشوهة وعلامات الاعتداء الجنسي التي وجدها المستجوبون الأوائل، في مقابل شريط أمل يعرض أغنية “هبايتا” (عودي يا بيتي) المخصصة للرهائن وقصص البطولة لإنقاذ الضحايا.
صباح ما قبل الهجوم وصمت الإخفاق القيادي
تختتم الزيارة بلوحة جدارية ضخمة تجسد اللحظات الأخيرة للحياة الطبيعية لشخصيات إسرائيلية بارزة، بينهم أطفال عائلة بيباس، في صباح يوم الهجوم. ورغم شمولية العرض، يتجنب المعرض الخوض في تفاصيل الفوضى التشغيلية وتأخر التعزيزات، مكتفياً بفيديو وحيد يظهر فيه رئيس الأركان السابق هرتسي هليفي وهو يتحمل مسؤولية الإخفاق الأمني.
ويركز السرد العام للمعرض على تفكيك استراتيجية حماس وتكتيكاتها المفاجئة، تاركاً الأسئلة السياسية الكبرى حول منع الكارثة في هامش ضيق جداً.