كرّم معهد “سرفانتس” الإسباني الفيلسوف الأندلسي ابن رشد، بمناسبة مرور 900 عام على ميلاده، عبر إيداع مقتنيات مرتبطة بإرثه الفكري داخل “صندوق الرسائل” بمقره في مدريد.
وشمل الإرث المودع نسخة من كتابه الشهير “تهافت التهافت”، الذي ألفه في القرن الثاني عشر دفاعاً عن الفلسفة الأرسطية ورداً على “تهافت الفلاسفة” لأبي حامد الغزالي. ووصف لويس غارسيا مونتيرو، مدير المعهد، ابن رشد بأنه “نقطة مرجعية حاسمة في الفكر المناهض للعقائدية”، مشيراً إلى قدرته على “بناء جسور بين هويته الخاصة والثقافة الكلاسيكية اليونانية واللاتينية”.
شاركت في مراسم التكريم رئيسة مجلس الدولة الإسباني كارمن كالفو، التي اعتبرت أن ابن رشد يمثل “انتصاراً للعقل” بامتياز. وأبرزت كالفو “شجاعته” في زمنه، قائلة إنه كان “قادراً على إخراج رأسه من المياه العكرة، والتأكيد على العقل كأداة وحيدة للإبحار”.
ويأتي هذا التكريم ضمن برنامج أوسع ينظمه معهد “سرفانتس” طوال عام 2026، ويتضمن سلسلة من المؤتمرات والندوات والأنشطة الأكاديمية التي تسلط الضوء على تأثير فكر ابن رشد في النقاش المعاصر حول العلاقة بين العقل والعلم والدين.
شدد معهد “سرفانتس” على المكانة المحورية لابن رشد في فكر العصور الوسطى، مشيراً إلى تميزه بالجمع بين الفلسفة والطب والفقه إلى جانب كونه أبرز شرّاح أعمال أرسطو.
وقد أسهمت ترجمة مؤلفاته إلى اللاتينية في نقل الفكر الكلاسيكي إلى أوروبا، حيث غذت تفسيراته نقاشات فلسفية جوهرية حول العلاقة بين العقل والدين في جامعات العصور الوسطى، وعلى رأسها جامعة باريس.
وُلد ابن رشد في قرطبة عام 1126، وما يزال إرثه قائماً على رؤية معرفية تقوم على الحوار بين الثقافات وتأكيد مركزية العقل.
يحمل البرنامج الذي ينظمه معهد “سرفانتس” بعداً دولياً، إذ من المقرر أن تمتد فعالياته إلى خارج إسبانيا لتشمل باريس ومراكش.
ففي العاصمة الفرنسية، ستُستأنف الأنشطة في يونيو المقبل بمؤتمر في السفارة الإسبانية يقدمه المتخصص في الدراسات الإسلامية محمد علي أمير معزي، وبمشاركة الأستاذتين كاهنة بهلول وعلي المصطفى.
أما في مراكش، المدينة التي قضى فيها ابن رشد سنواته الأخيرة بعد نفيه، فسيُعقد لقاء في ديسمبر المقبل يشارك فيه خبراء من بينهم مارافيلاس أغيار أغيلار ولطيفة البوحسيني وزهير الواسيني.