بدأت أرقام الضحايا في فنزويلا تستقر بعد شهر على الزلزال المزدوج الذي ضرب شمال البلاد، لكن الكارثة لم تصل بعد إلى نهايتها. فبينما تباطأت وتيرة انتشال الجثث واستقبال المصابين، لا تزال عمليات البحث عن المفقودين وكشف حجم الدمار تعيد رسم الصورة يوما بعد آخر.
وبحسب أحدث حصيلة رسمية، ارتفع عدد القتلى إلى 5,546 شخصا، فيما بلغ عدد الجرحى 16,740، بعد زلزالين بقوة 7.2 و7.5 درجة ضربا المنطقة بفارق 39 ثانية فقط ليلة 24 حزيران/يونيو.
وتشير استقرار أعداد الجرحى خلال الأسابيع الأخيرة إلى أن مرحلة التعامل مع الإصابات الخطرة تقترب من نهايتها، فيما لا تزال حصيلة الوفيات مرشحة للارتفاع مع استمرار إزالة الأنقاض والتعرف إلى جثث انتُشلت من المباني المنهارة.
لكن الرقم الأكثر إثارة للجدل لا يتعلق بالقتلى أو الجرحى، بل بالمفقودين. فمنذ 25 حزيران/يونيو، لم تقدم السلطات أي تحديث رسمي للرقم المسجل آنذاك، والبالغ 157 شخصا. وفي المقابل، تقول مبادرة مدنية تحمل اسم «Desaparecidos del Terremoto de Venezuela» إنها جمعت بلاغات عن نحو 29,500 شخص لا يزال مصيرهم مجهولا.
هذا التباين الكبير بين السجل الرسمي والبيانات التي تجمعها العائلات والمبادرات المدنية يفتح واحدا من أكثر الملفات حساسية في أعقاب الكارثة، خصوصا أن جزءا من الجثث دُفن من دون التعرف إلى هويات أصحابها في مقابر جماعية بمدينة لا غوايرا.
فاتورة الكارثة
ولا تتوقف تداعيات الزلزال عند الخسائر البشرية. فقد بلغت قيمة الأضرار المادية المباشرة، وفقا لتقدير حديث للبنك الدولي، نحو 19.6 مليار دولار، توزعت بين 9.3 مليار دولار للمساكن المدمرة أو المتضررة بشدة، و5.2 مليار للبنية التحتية العامة، بما فيها المستشفيات والمدارس والمرافق الأساسية، ونحو 5 مليارات للمباني التجارية والصناعية.
وتكشف الأرقام الميدانية بدورها اتساع نطاق الأزمة. فقد تضرر 856 مبنى، انهار 190 منها بالكامل، فيما فقد 17,907 أشخاص مساكنهم.
وتقول السلطات إن 23,122 شخصا يقيمون حاليا في 107 مخيمات انتقالية في كاراكاس ولا غوايرا، بينما تلقت 128,324 أسرة مساعدات منذ بدء حالة الطوارئ.
ولم تهدأ الأرض تماما بعد الزلزالين الرئيسيين، إذ سجلت 1,405 هزات ارتدادية، زاد بعضها صعوبة العمل في مبان كانت قد تضررت أصلا.
مرحلة مختلفة
وبعد شهر، تغيرت طبيعة الاستجابة للكارثة. لم تعد الأولوية إنقاذ العالقين، بل إزالة الأنقاض وتأمين المساكن المؤقتة وإعادة الخدمات الأساسية والتخطيط لإعادة الإعمار.
وعادت الكهرباء إلى أجزاء من لا غوايرا بعد نحو أسبوعين، إلا أن استعادة الحياة الطبيعية لا تزال جزئية. كما تواصل «أطباء بلا حدود» تشغيل عيادات متنقلة في المناطق الأكثر تضررا، في وقت يواجه فيه النظام الصحي، الذي كان يعاني أزمات متراكمة قبل الزلزال، احتياجات تفوق قدرته على الاستجابة.
ومن المرجح أن تكون مرحلة ما بعد الكارثة أطول بكثير من مرحلة الإنقاذ نفسها، إذ تقر السلطات بأن إعادة بناء المناطق المتضررة قد تحتاج إلى أشهر أو حتى سنوات.
اختبار سياسي
ويأتي ذلك في بلد يعيش أصلا مرحلة سياسية انتقالية حساسة، بعد توقيف الرئيس السابق نيكولاس مادورو مطلع العام وتولي دلسي رودريغيز رئاسة حكومة انتقالية لم تحدد موعدا للانتخابات بعد.
لذلك لن تتوقف معركة التعافي عند إزالة الركام وإعادة بناء المنازل. فطريقة إدارة المساعدات الدولية، بما فيها المساعدات التي وصلت من دول مثل إسرائيل، والجهود الرامية إلى فك تجميد أصول فنزويلية بدعم من الولايات المتحدة، ستكون جزءا أساسيا من المعادلة التي ستحدد سرعة إعادة الإعمار.
وبعد شهر من الزلزال، تبدو فنزويلا أمام مرحلة جديدة من الكارثة: أرقام أقل حركة، لكن أزمة أكبر حجما، انتقلت من إنقاذ الأرواح إلى البحث عن المفقودين وإعادة بناء ما تهدم.
