تعيش أذرع إيران في المنطقة – حزب الله، الحوثيون، والفصائل العراقية المسلحة – حالة من “الحيرة” والترقب، مع اقتراب المفاوضات الإيرانية-الأمريكية النهائية الجارية بوساطة باكستانية من إعلان نتائجها المرتقبة.
ففي الوقت الذي تبدي فيه طهران مرونة تجاه ملفها النووي، تتعالى التساؤلات حول مصير شبكة الوكلاء التي بنتها بعشرات المليارات من الدولارات على مدى عقود.
تشير تحليلات متطابقة إلى أن إيران قد تستخدم أوراق حلفائها كورقة ضغط لتحقيق مصالحها الكبرى، وفي مقدمها رفع العقوبات والتوصل إلى اتفاق نووي يحمي برنامجها. هذا التوجه يُقرأ في أوساط الجماعات الموالية لها على أنه “تخلٍ” محتمل أو تقليص كبير للدعم العسكري والمالي.
وتفيد تقارير أن واشنطن تسعى إلى دمج هذه الجماعات في هندسة استقرار إقليمية جديدة، يترتب عليها تقلص دورها العسكري وتحولها إلى فاعلين محليين منحصرين في الشؤون الداخلية لدولهم، مع التخلي عن السلاح الثقيل والعمليات العابرة للحدود.
حزب الله: القيود ونزع السلاح
يواجه حزب الله ضربات متتالية وقيوداً ميدانية منذ أواخر عام 2024، مع تراجع ملحوظ في قدرته على الرد. ووفقاً لاتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ منتصف 2024 ويمتد آثاره إلى أبريل 2026، يلتزم الحزب بالانسحاب شمال نهر الليطاني، ليحل محله الجيش اللبناني.
لكن الحزب يبدي معارضة واضحة لأي مفاوضات مباشرة، ويطالب بضمانات بعدم استهدافه مستقبلاً. ورغم ذلك، يرى مراقبون أن الاتفاق النهائي الذي ترعاه واشنطن يهدف إلى حرمان الحزب من أي ذريعة للاحتفاظ بسلاحه.
والأخطر أن الحزب لم يكن طرفاً مباشراً في المفاوضات التي أنتجت وقف النار، بل جاء الإعلان بعد اتصالات بين واشنطن والرئاسة اللبنانية.
الحوثيون: بين الانكماش والاستقلال النسبي
في اليمن، رسم مركز “المستقبل اليمني للدراسات الاستراتيجية” ثلاثة مسارات محتملة لمستقبل الجماعة مع غياب المرشد الإيراني علي خامنئي – الذي قيل إنه قُتل بغارات أميركية إسرائيلية – أو تراجع دور القيادة المركزية في إيران.
المسار الأول: الانكماش التدريجي، نتيجة تراجع الدعم الإيراني، ما يدفع الجماعة إلى تثبيت سيطرتها في الداخل اليمني فقط.
المسار الثاني: التحول نحو استقلال نسبي، عبر إعادة تعريف نفسها كفاعل محلي بأجندة خاصة، مع روابط محدودة بطهران.
المسار الثالث (الأرجح على المدى القصير): التصعيد غير المتوازن، أي محاولة تعويض التراجع الرمزي بتكثيف العمليات العسكرية، وهو خيار قد يؤدي إلى استنزاف قدراتها في غياب دعم خارجي مستدام.
ويرى المركز أن العلاقة بين إيران والحوثيين تطورت من دعم محدود إلى شراكة وظيفية، لكنها كانت تعتمد على مركز قرار قوي في طهران يضمن التمويل والتسليح. ومع تراجع هذا المركز، يصبح استمرار الإسناد العسكري أكثر تعقيداً.
الفصائل العراقية: جزء من الصراع أم مستثناة؟
على الساحة العراقية، قد تستمر عمليات التصعيد من قبل الفصائل المسلحة الموالية لإيران، مع احتمال عدم شمولها بأي اتفاق نهائي ما لم تفرض طهران ذلك. غير أن واشنطن وإسرائيل تستهدفان هذه الفصائل لتحييدها، وسط ضغوط متزايدة على بغداد لضبط تحركاتها وسحب سلاحها الثقيل.
حالة الحيرة التي تعيشها هذه الجماعات، وفق القراءات المتاحة، ناتجة عن تحول جذري في العقيدة: الانتقال من “المقاومة” كغطاء لوجودها إلى “الدولة” كمرجعية وحيدة. إذ يُراد للوكلاء أن يصبحوا جزءاً من المؤسسات الرسمية (الجيش، قوى الأمن الداخلي) بدلاً من كونهم “جيوشاً موازية” تديرها طهران. وهذا يشكل أكبر تحدٍ أيديولوجي وعسكري لهم منذ نشأتهم.
رفض إيراني لوقف التمويل الكامل
ورغم المفاوضات، أفادت تقارير برفض إيران مطالب أمريكية بوقف تمويل حزب الله والحوثيين وحماس بشكل كامل. وتلمح طهران إلى أنها قد تحتفظ بعلاقات محدودة مع وكلائها، لكن دون المستوى الذي يسمح لهم بزعزعة الاستقرار الإقليمي.
يبقى السؤال الأكبر: هل سيتم “بيع” الوكلاء في سوق المفاوضات مقابل صفقة نووية ورفع عقوبات؟ أم أن طهران ستنجح في إبقائهم كورقة ضغط للمستقبل؟ الأيام المقبلة، مع اختتام مفاوضات أبريل 2026، ستحسم إن كان هؤلاء سيتحولون إلى فاعلين محليين منزوعة السلاح، أو سيُتركون ليواجهوا مصيرهم بمفردهم في صراعات لم يعودوا قادرين على خوضها.