يسجل موقع “واي نت” توجهاً متنامياً بين الإسرائيليين نحو شراء منازل قديمة ومتهالكة في الأرياف الإيطالية، بهدف ترميمها وتحويلها إلى مقرات إقامة يقضون فيها أجزاءً من العام.
الظاهرة التي ارتبطت في بداياتها بالمتقاعدين الباحثين عن العيش بين بلدين، توسعت لتشمل فئات تبحث عن مساحة للهروب من الضغوط اليومية المستمرة في إسرائيل وتأسيس نمط حياة هادئ.
ولا يقتصر دافع المشترين على الاستثمار العقاري أو قضاء عطلات عابرة، بل يتعداه إلى البحث عن “متنفس” ومساحة توفر هدوءاً يفتقدونه في حياتهم اليومية.
وينظر أصحاب هذه المنازل إلى إيطاليا كـ “جزيرة من العقلانية” يلجأون إليها لالتقاط الأنفاس قبل العودة إلى إسرائيل.
وقد أدى هذا التوجه إلى تشكل مجتمعات إسرائيلية صغيرة في بعض المناطق الإيطالية، تتواصل فيما بينها عبر مجموعات على تطبيق “واتساب”، وتفرض بعض هذه المجموعات قواعد صارمة على أعضائها، أبرزها: “ممنوع الحديث في السياسة”.
من “أنقاض” إلى استثمار عائلي
وتُعد تجربة مرجاليت وينر (79 عاماً) وزوجها البروفيسور بالتييل وينر (81 عاماً) من النماذج البارزة لهذا التوجه. قبل نحو 25 عاماً، اشترى الزوجان مزرعة قديمة في إقليم “ماركي” الإيطالي، وصفتها مرجاليت بأنها كانت “أنقاضاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى”.
وبعد الاستعانة بفريق إيطالي محلي، خضع العقار لعملية ترميم شاملة حولته إلى منزل عائلي يجتمع فيه الأبناء والأحفاد خلال العطلات.
مرجاليت، التي تقاعدت عام 2005 في سن الثامنة والخمسين، حولت تجربتها الشخصية إلى نشاط تجاري بعد تزايد استفسارات الإسرائيليين حول كيفية شراء وترميم عقارات مشابهة.
واليوم، تدير مع ابنتها شركة “سينسي هومز” التي تتولى البحث عن المنازل الريفية والتاريخية في إيطاليا، وتنسيق مشاريع الترميم مع المهندسين المعماريين، والمقاولين، والمحامين، والمحاسبين، وكتاب العدل.
وجهات جديدة و”حياة ثالثة”
إلى جانب إقليم “ماركي”، برز إقليم “أومبريا” كوجهة مفضلة أخرى. في إحدى الحالات، أمضى زوجان متقاعدان فترة في البحث بين اليونان وإيطاليا، قبل أن يستقرا على شراء منزل متهالك في أومبريا؛ لكونه يقع بالقرب من المقاهي والمطاعم والخدمات.
واستغرق مشروع ترميم هذا المنزل نحو سبعة أشهر، ويستخدمه الزوجان حالياً للإقامة الخاصة فقط وليس لأغراض التأجير.
ورغم ارتباط الفكرة بالتقاعد، تؤكد نوا برينر، مسؤولة التسويق والمحتوى في شركة “سينسي هومز”، أن أشخاصاً في الأربعينيات والخمسينيات من العمر بدأوا يخططون مبكراً لهذه الخطوة.
وهؤلاء لا ينتظرون نهاية مسيرتهم المهنية لتأسيس ما يطلقون عليه اسم “الحياة الثالثة”، بل يشرعون في تجهيز منازلهم الإيطالية لاستخدامها في الإجازات تمهيداً للإقامة فيها لاحقاً.
التكاليف الخفية ووهم “اليورو الواحد”
مالياً، لا يعكس سعر الشراء الأولي الحجم الحقيقي للاستثمار. في إقليم ماركي، يمكن شراء عقار بقطعة أرض مساحتها نحو سبعة دونمات بمبلغ يتراوح بين 80 و90 ألف يورو.
غير أن فاتورة تحويله إلى عقار مرمم بالكامل، ومزود بحديقة ومسبح ومساحات خارجية منسقة، قد تقفز بالتكلفة الإجمالية إلى نحو 600 ألف يورو.
وينسحب هذا الواقع على العروض المغرية التي تطلقها بعض البلدات الإيطالية لبيع منازل بسعر “يورو واحد”. فهذا السعر الرمزي لا يشمل التكاليف الباهظة لإعادة تأهيل المباني القديمة، والتي تُلزم الملاك الجدد بتطبيق معايير بناء صارمة، وخاصة تلك المتعلقة بالسلامة الإنشائية ومقاومة الزلازل.
متاهة الإجراءات والضرائب
تتطلب عملية الشراء تحضيرات قانونية وفنية دقيقة قبل توقيع أي عقود. تبدأ الإجراءات بضرورة التحقق من الوضع القانوني لملكية العقار عبر محامٍ محلي، والعمل المباشر مع كتاب العدل والمهندسين لضمان قابلية المشروع للتنفيذ.
كما ترتبط الخطوة بتعقيدات الإقامة الطويلة في إيطاليا، حيث تتباين القواعد والشروط المسموح بها للبقاء في البلاد بناءً على جنسية المشتري ووضعه القانوني.
ويستوجب امتلاك العقار والإقامة فيه التزامات ضريبية متباينة تعتمد على حالة كل مشترٍ، مما يحتم مراجعة مستشار ضريبي محلي للوقوف على كافة التفاصيل المالية والقانونية بدقة.
